أعلن حاكم مصرف لبنان كريم سعيد “أن المصرف المركزي ليس خصماً للحكومة، ولا تابعاً لها، والواجب الأول للمصرف المركزي المستقل ليس معارضة الحكومة، بل الحفاظ على الانضباط الذي يحمي الحكومة في النهاية من عواقب تجاوزاتها، لأنه عندما تفقد الدولة الانضباط النقدي، لا تضعف عملتُها فحسب. بل تضعف الثقة، ويضعف الاستثمار، ويضعف النمو، ويضعف الإقتصاد، وتذوب الثروات، وتتبخّر المدخرات”.
وأوضح في لقاء حاشد في مقر الرابطة المارونية برئاسة رئيسها المهندس مارون الحلو “أن هدف استقلال المصرف المركزي هو ضمان وجود مؤسسة واحدة داخل البنية الدستورية للدولة قادرة عند الضرورة، على قول “لا”. لا للاقتراض المفرط. لا لتمويل العجز الهيكلي عن طريق الإصدار النقدي. لا للتمويل التضخمي. لا للمصلحة السياسية قصيرة الأجل عندما تهدد الاستقرار الوطني طويل الأجل. “لا” لتسليف الحكومات دون أي قيد، أو شرط، أو عقد، أو مسودة عقد من أموال الغير- أي من أموال المودعين تحديداً”.
وأكد ان سداد الودائع يجب ان يرتكز على الأمور التالية:
1) تحمُّل كل الأطراف: الدولة، المصرف المركزي، والمصارف التجارية الأعباء الإقتصادية للأزمة مع تقاسم الموجبات بينهم بشكل واقعي وعادل.
2) عدم تحمل المودعين – وفي أولويتهم صغار المودعين (أي ما دون الـ 100،000 دولار) – كلفة عالية والاستفادة من أسرع طرق السداد حسب توفر السيولة.
3) إعطاء القطاع المصرفي اللبناني – قبل غيره – فرصة حقيقية لإعادة الرسملة والهيكلة للإستمرار في تقديم الخدمات والإشتراك في عملية النهوض الإقتصادي.
4) مساءلة ومحاسبة جميع من قام بعمليات مشبوهة وإسترداد الأموال المسلوبة لزيادة مخزون السيولة بهدف سداد الودائع”.
رئيس الرابطة
بعدها، كانت كلمة رئيس الرابطة المارونية المهندس مارون الحلو وجاء فيها “يسرُّنا في الرابطة المارونية أن نرحّبَ بزيارتكم التي تحملُ بُعداً خاصاً، ليس فقط لكونِكم تتولّون واحدةً من أكثرِ المسؤولياتِ حساسيةً في هذه المرحلةِ الدقيقةِ من تاريخِ وطنِنا وأنتم خيرُ أهلٍ لها لما تمتلكون من خبرةٍ مهنية وإلمام كبير بالاصلاح والمسؤولية، بل أيضاً لما تمثّلونَه من امتدادٍ لعائلةٍ لبنانيةٍ عريقة لها حُضورُها المميّز في الحياةِ الوطنيةِ والسياسية، وأسهمت على مدى عقود في خدمةِ لبنان وتعزيزِ مكانتِه..”.
وأكد “أن قضيةُ الودائع تبقى قضيةً اساسيةً وهي ليست مجردَ أرقامٍ بل تعبُ أعمارِ الناس وحقوقُهم، وسدادُ الودائع وفقَ خُطةٍ عادلةٍ وشفافة وهذه أولوية. فمسيرتُكم المهنيةٍ والمالية شكّلت نَموذجاً للكَفاءةِ والخبرةِ والنزاهة، ما يجعلُ الثقةَ بقُدرتِكم على مواجهةِ التحدياتِ الراهنة وتحقيقِ أهدافِكم أمراً مسلّماً به، وقد استمعنا إلى برنامجِ عملِكم والحلولِ المقترحة في لقائِكم مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وندركُ حجمَ المسؤوليةِ المُلقاة على عاتقِكم لكننا واثقون أنكم الأقدرُ على إنجازِ هذا الدورِ الانقاذي لما وصفتموه بالازمةِ النظامية”.
حاكم المركزي
ورد حاكم مصرف لبنان كريم سعيد قائلاً “اسمحوا لي أولاً أن أعرب عن خالص الشكر للرابطة المارونية، ولا سيما مجلسها الاقتصادي، على دعوتهم الكريمة. هذه هي المرة الثانية التي أتشرف فيها بمخاطبة هذا المنبر الرفيع، أنني آمل أن تصبح هذه اللقاءات تقليداً مستمراً. فقليلة هي المؤسسات في لبنان التي تجمع بين الذاكرة التاريخية، والفكر الحر، والالتزام الوطني، والاهتمام الحقيقي بمستقبل بلدنا كما فعلت الرابطة المارونية طوال تاريخها. لذلك، فإن تبادل الأفكار مع جمهور يدرك أن المسائل الاقتصادية ليست مسائل مادية بحتة بل هي سياسية، ومؤسساتية، وإجتماعية، وفوق كل ذلك، مسائل وطنية لأنها تتعلق بطريقة ترشيد المال العام، وحماية المال الخاص، وتوزيع المسؤولية، وبناء الثقة بين المواطنين والمؤسسات العامة. حديثنا اليوم ليس عن أسعار الفائدة أو أسعار الصرف، ولا عن التضخم أو الرقابة المصرفية. فهذه المواضيع مهمة بلا شك، لكنها ليست سوى نتائج لشيء أكثر أهمية وأعمق”.
وأشار الحاكم إلى “أن المادة 13 من قانون النقد والتسليف تنص على أن مصرف لبنان شخص معنوي من القانون العام يتمتع بالإستقلال المالي وهو يُعتبر تاجراً في تعامله مع الغير.
وأكد سعيد “أن مصرف لبنان هو مصرف الدولة التي هي المساهم الأوحد في رأسماله. ويجب ألا يُصبح مصرفيّ الدولة أو الوسيط المالي للحكومات. قد يبدو المفهومان متشابهَين، لكنهما يصِفان واقعَين دستوريَّين مختلفَين تماماً. كون المصرف المركزي مصرف الدولة يُعنى بحماية النظام النقدي للبلاد، وتسهيل العمليات المالية العامة ضمن الحدود التي يحددها القانون، والحفاظ على الثقة بالعملة الوطنية. أما أن يُصبح مصرفيّ الحكومات فيعني شيئاً مختلفاً كلياً: يعني تمويل الخيارات السياسية بغض النظر عن الانضباط الاقتصادي. يعني إخضاع السياسة النقدية للدورات الانتخابية.
في الختام، أود أن أؤكد أن استقلال مصرف لبنان ليس هدفاً في حد ذاته، بل هو وسيلة لحماية الاستقرار النقدي والمالي للبنان. إنه وسيلة لحماية الدولة من العجز والاستدانة المفرطة كما أنه وسيلة لمنع المصارف من الشروع في توظيفات عالية المخاطر. وأن الإصلاحات الحقيقية هي تلك التي تعيد الاعتبار للمؤسسات، لا تلك التي تُستخدم لإضعافها عن طريق تفريغ المؤسسات أو إعادة توزيع القرار بين هيئات مختلفة، فتضيع المسؤولية وتنتفي المحاسبة. وإنني على ثقة بأن لبنان، بفضل مؤسساته القوية، والدولة، وعلى رأسها فخامة رئيس الجمهورية، والحكومة المسؤولة، قادر على تجاوزِ هذه المرحلة الصعبة وبناءِ مستقبلٍ أفضل”.






















































