بقلم سابين عويس «النهار»
في أول عرض لنتائج زيارته لواشنطن ولقاء القمّة الذي جمعه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، تحدث رئيس الجمهورية العماد جوزف عون أمام مجلس الوزراء عن التحضير لمؤتمر اقتصادي في واشنطن من أجل عرض فرص الاستثمار في لبنان أمام مؤسسات مالية وشركات ومستثمرين أميركيين، لاستقطاب رؤوس الأموال وتشجيع الاستثمار في عدد من القطاعات الحيوية.
الولايات المتحدة هي الراعي الأكبر لأيّ حزمة دعم دولي للبنان، وهي أيضاً الطرف الأبرز في إدارة التهدئة مع إسرائيل. من هنا، أي مؤتمر في واشنطن لا يمكن فصله عن هذين الملفين. ويبدو أن إعلان الرئيس عون عنه أمام الوزراء يعني أن بعبدا تريد وضعه في إطار الدولة لا في إطار المبادرات الفردية.
لكن دون هذا المؤتمر أكثر من عائق لا بدّ من أخذها في الاعتبار، ولا سيما إن كان انعقاد المؤتمر مشروطاً بتنفيذ لبنان التزاماته، وهذا أمر مفروغ منه، أو بتقدّم المفاوضات؟ والمنطق الديبلوماسي يقول نعم. فواشنطن لن تفتح خزائنها أو تجمع المانحين لدولة في حالة حرب مفتوحة أو في حالة فراغ إصلاحي، من دون أن تحظى في المقابل بشروطها في السياسة، المتعلقة بنزع سلاح “حزب الله” وفي الاقتصاد بتنفيذ لبنان الإصلاحات المطلوبة على نحو يحسّن البيئة الاستثمارية ويحفز المستثمرين على المجيء إلى لبنان والاستثمار فيه.
من هنا، سيكون المؤتمر مشروطاً بتقدمين:
الأول، تهدئة مستدامة في الجنوب وتطبيق فعلي لاتفاق وقف النار واتفاق الإطار وصولاً إلى تطبيق للقرار 1701.
الثاني، خطوات لبنانية ملموسة في الإصلاح، في المجالات المشكوّ منها، مثل الكهرباء، والجمارك، والتهريب، فضلاً عن إقرار القوانين والتشريعات الحامية للاستثمار والمشجّعة لها. بهذا المعنى يبدو المؤتمر بمثابة “جائزة” على تقدّم يحصل، أو وعد بها لتحفيز هذا التقدم. والمعلوم أن إدارة ترامب تفضّل هذا الأسلوب الرامي إلى ربط المال بالاستقرار.
وفي موازاة هذا العامل، يبرز البعد المتصل بالمفاوضات، وما إن كان الإعلان عن عقد مؤتمر دولي سيسهم في دعم المفاوضات وموقف لبنان فيها كما تأمل السلطة أو أنه لن يكون أكثر من جزرة تمدّها واشنطن مقابل عصا الأمن والسلاح؟
لا يخرج إعلان الرئيس عون عن المؤتمر عن هذا السياق. فهو يسعى إلى تثبيت زيارة واشنطن في رصيد المكاسب بعد الحملات التي يتعرّض لها والتي تقلل من شأن لقاء القمّة. وهو يسعى ربما لتحويل الملف الاقتصادي إلى رافعة سياسية، على قاعدة أنه مقابل ورقة الوعد الأميركي للبنان بمؤتمر دعم كبير في واشنطن، تنفيذاً لما ورد في اتفاق الإطار، يصبح لدى الحكومة ورقة ضغط داخلية لإقناع الأطراف المترددة بالتنازلات المطلوبة في ملف الجنوب أو في ملف السلاح.
والمؤتمر يمكن أن يكون رسالة لـ إسرائيل: أيّ تصعيد عسكري سيضرب فرصة استقرار لبنان اقتصادياً، وبالتالي يضرب مصلحة أميركية مباشرة في جمع التمويل. وعندها، يتحوّل الاقتصاد إلى درع سياسي يمكن أن يتحصن به لبنان لمواجهة الضغوط الداخلية.
في الخلاصة، لن يكون مؤتمر واشنطن قريباً، وهو حتماً ليس حدثاً اقتصادياً بحتاً، بل هو حلقة في سلسلة واحدة تربط الأمن بالسياسة بالمال. فإذا تقدمت المفاوضات فسيكون المؤتمر تتويجاً لها وتثبيتاً لنتائجها. وإذا تعثرت، فقد يكون هو الأداة التي تُستخدم لدفعها إلى الأمام. الأكيد في الحالتين، أن نجاحه مرهون بشرطين: جدّية لبنان في الإصلاح، وقدرة واشنطن على فصل المساعدات عن التجاذبات الإقليمية. وإلا فسيتحول إلى مؤتمر آخر من سلسلة مؤتمرات “سيدر” و”باريس” التي كثرت الوعود فيها وقلّ التنفيذ. وهذا يتطلب من الحكومة اللبنانية جهوداً وعملاً لرسم خريطة طريق واضحة: ماذا سيقدّم لبنان، وماذا ستقدّم واشنطن بالمقابل، ومتى؟

















































