في مارس، وحتى بينما كانت دبي تواجه تحليق صواريخ إيرانية في أجوائها، بدأ مركزها المالي سريع النمو افتتاح أبراج جديدة مترامية تضم 600 ألف قدم مربعة من المساحات التجارية، ما مهد الطريق أمام مستأجرين، من بينهم “دويتشه بنك” (Deutsche Bank) و”موديز” (Moody’s)، للبدء في تجهيز مكاتبهم هناك.
في الوقت نفسه، يجهز صندوق التحوط “سيتادل” (Citadel)، التابع لكين غريفين، والذي يدير أصولاً بقيمة 70 مليار دولار، مكتباً في جزء آخر من مركز دبي المالي العالمي.
على مدى سنوات، عانت دبي من محدودية المعروض من المكاتب المتميزة، ما أشعل سباقاً على المساحات مع توسع صناديق التحوط، والبنوك، والشركات فيها بعد جائحة كورونا. وساعد ذلك في رفع أسعار الإيجارات حتى خلال الحرب.
خلال الربع الأول من 2026، ارتفعت إيجارات المكاتب المتميزة في دبي بأكثر من 17% مع معدل شغور بلغ 0.7% فقط، بحسب تقرير صادر عن شركة العقارات “جيه إل إل” (JLL). كما ارتفعت إيجارات أنواع أخرى من المكاتب، ما عزز أوضاع ملاك العقارات في أنحاء المدينة.
بحسب شخص مطلع على الأمر، طلب عدم الكشف عن هويته لأنه يناقش معلومات غير معلنة، فإن مستأجري مركز دبي المالي العالمي يرتبطون عادةً بعقود إيجار تمتد لسنوات عدة، ولم ينسحب معظمهم رغم حرب إيران.
حوافز من ملاك العقارات التجارية
قال توبي هول، رئيس وكالة العقارات التجارية لدى “سافيلز الشرق الأوسط” (Savills Middle East)، إن ملاك العقارات أبقوا الإيجارات من دون تغيير يُذكر حتى بعد مارس، لكنهم قدموا أحياناً حوافز مثل شهر مجاني خلال العام الجاري فقط.
وأضاف أن الصفقات توقفت مع اندلاع الحرب في نهاية فبراير، لكنها استعادت زخمها بعد تراجع التوترات، مع إبرام الصفقات تقريباً بالشروط نفسها التي كانت سائدةً سابقاً.
وتابع هول: “لم نشهد انهياراً في سوق المساحات التجارية، إذ أُلغي عدد محدود فقط من الصفقات. ولا يزال الطلب قوياً، كما أن المعروض ما زال محدوداً. وفي جانب التأجير، لم نرَ تعديلات تُذكر على الأسعار”.
قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير، كانت سوق المكاتب في دبي تشهد انتعاشاً. وكانت أبراج “دي آي إف سي سكوير” (DIFC Square)، وهو الاسم الذي أُطلق على الأبراج الجديدة في المركز المالي، قد أُجّرت بالكامل حتى قبل اكتمال بنائها، وذلك في الغالب لشركات لم تعد مكاتبها الحالية في المركز تستوعب الزيادة في أعداد الموظفين.
على سبيل المثال، يمتلك “دويتشه بنك” بالفعل مكتباً في برج “آي سي دي بروكفيلد” (ICD Brookfield) في المركز المالي، لكن مع امتلاء المبنى، استأجر مساحة إضافية مع مواصلة زيادة عدد موظفيه، بحسب شخص مطلع على الأمر.
التوظيف يدعم سوق الإسكان
يوفر التوظيف لدى الشركات الكبرى دعماً لسوق الإسكان في دبي، حيث تباطأ الطلب بسبب الصراع الإقليمي. ويعمل في مركز دبي المالي العالمي الآن أكثر من 50 ألف متخصص في الخدمات المالية، وهو ارتفاع ملحوظ خلال السنوات الماضية في ظل الطفرة التي أعقبت الجائحة.
لا تزال حالة عدم اليقين قائمة بالنسبة إلى الشركات والوافدين الذين يشكلون جزءاً كبيراً من سكان دبي. وما زالت هناك عقبات كثيرة أمام التوصل إلى اتفاق سلام طويل الأمد بين الولايات المتحدة وإيران، بما في ذلك حرب إسرائيل في لبنان ضد “حزب الله”. وخلال الأيام الماضية، تبادلت واشنطن وطهران هجمات متبادلة قبل استئناف محادثات السلام.
وقال رايان بول، كبير المحللين المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى شركة أبحاث المخاطر “رين نتورك” (Rane Network): “تتبع الشركات عادة نهج الترقب، لكن الكثير سيعتمد على الإنفاق الحكومي في الخليج خلال الفترة المقبلة”.
الأعين على اتجاهات الإنفاق في الخليج
كانت حكومات المنطقة والصناديق السيادية تنفق بكثافة لتقليل اعتمادها على النفط والتوسع في مجالات جديدة مثل التمويل والذكاء الاصطناعي. وأتاح ذلك مصادر إيرادات جديدة ليس للبنوك فحسب، بل أيضاً لشركات الاستشارات، وشركات التكنولوجيا، التي افتتح معظمها مكاتب في دبي.
قال بول: “عندما تبدأ حكومات الخليج في إعلان موازناتها للعام المقبل، وتوضح أوجه الإنفاق أو المجالات التي ستخفض الإنفاق عليها، عندها قد نشهد بعض التحولات الاقتصادية الكلية المشابهة لما حدث مع انهيار أسعار النفط في منتصف العقد الماضي، الذي غيّر اتجاهات انتقال الأفراد”. وأضاف: “قد تكون تلك هي الإشارة التالية”.
مع ذلك، وبعد أسابيع من ذروة الحرب، حين جرى اعتراض مقذوفات إيرانية في سماء دبي، عاد مركز دبي المالي العالمي ليعج بالنشاط. فالمكاتب مكتظة، والمطاعم تعج بالرواد العازمين على استعادة نمط حياتهم السابق.
في الوقت نفسه، يقدم بعض ملاك العقارات حوافز للاحتفاظ بالمستأجرين، بحسب تقرير صادر عن “جيه إل إل”.
جاء في التقرير: “بينما حافظ ملاك العقارات عموماً على مستويات إيجارات مستقرة طوال الربع، فإنهم أبدوا استعداداً بشكل انتقائي لتعزيز حزم الحوافز، بما يشمل فترات إعفاء من الإيجار، وهياكل إيجار أكثر مرونة، لتسهيل إتمام الصفقات من دون تعديل رسمي للإيجارات الأساسية”.
المصدر:بلومبرغ الشرق


























































