توقّع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام أن يبدأ مجلس النواب خلال أيام مناقشة مشروع قانون “الفجوة المالية”، في خطوة محورية لمسار الإصلاح المالي ومفاوضات لبنان مع صندوق النقد الدولي، بعدما أحالت الحكومة المشروع إلى البرلمان لمعالجة الخسائر المتراكمة في النظام المصرفي وتحديد آليات استرداد الودائع.
سلام قال، في مقابلة مع “الشرق بلومبرغ” أجرتها الزميلة هبة نصر في واشنطن اليوم الثلاثاء، إن مشروع القانون أصبح لدى مجلس النواب، وإن من المفترض أن تبدأ مناقشته “في الأسبوع أو في الأيام المقبلة”، مُعرباً عن أمله في انطلاقها سريعاً.
سلام أوضح: “نحن عملنا شغلنا كحكومة، قدمنا مشروع قانون موجود داخل مجلس النواب اليوم”، مضيفاً أن المشروع “سيتطلب إعادة نظر وتعديل عدد من الأرقام الموجودة فيه”.
ويضع الإطار الزمني الذي حدده سلام قانون الفجوة في صدارة الأجندة الاقتصادية للبنان، باعتباره أحد أبرز التشريعات المنتظرة منذ اندلاع الأزمة المالية أواخر 2019، وأكثرها ارتباطاً بمصير الودائع والخسائر المتراكمة في القطاع المالي.
تكتسب المناقشات المرتقبة أهمية إضافية لارتباط القانون بمساعي لبنان للتوصل إلى برنامج مع صندوق النقد الدولي، بعد سنوات من تعثر تنفيذ الإصلاحات المطلوبة لإعادة هيكلة القطاع المالي.
ووصف سلام مشروع القانون بأنه ربما يكون “القانون الأهم” بين التشريعات المالية التي تعمل عليها الحكومة، معتبراً إياه “حجر زاوية” يتيح للبنان الوصول إلى اتفاق مع صندوق النقد.
يُعرف المشروع باسم “قانون الفجوة المالية”، فيما يتناول في جوهره الانتظام المالي واسترداد الودائع ومعالجة الاختلالات المتراكمة في النظام المالي اللبناني.
ويتمثل التحدي الرئيسي في كيفية توزيع الخسائر بين الأطراف المعنية، بما يشمل الدولة ومصرف لبنان والمصارف، بالتوازي مع تحديد آليات حماية المودعين واسترداد الودائع، وهي ملفات شديدة الحساسية اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.
وبحسب سلام، يأتي قانون الفجوة بعد خطوات تشريعية أخرى اتخذها لبنان ضمن مسار الإصلاح المالي، من بينها تعديلات مرتبطة بالسرية المصرفية وقانون إصلاح أوضاع المصارف.
ونوّه رئيس الحكومة بأن لبنان “تقدم بالإصلاحات المالية المطلوبة”، مشيراً إلى أن القانون المتعلق بالانتظام المالي واسترداد الودائع يظل الأكثر أهمية في المرحلة الحالية.
تكتسب إشارة سلام إلى احتمال تعديل بعض الأرقام الواردة في مشروع القانون خلال المناقشات النيابية أهمية خاصة، نظراً إلى ارتباط الأرقام والافتراضات المستخدمة في احتساب الفجوة المالية مباشرة بآليات معالجة الخسائر وحقوق المودعين.
وسيكون مسار المشروع داخل البرلمان موضع متابعة من صندوق النقد والمؤسسات المالية الدولية، في ظل ارتباط معالجة خسائر القطاع المصرفي بإعادة بناء نظام مالي قابل للاستمرار.
وتأتي تصريحات سلام بعد ظهور مؤشرات على تقارب بين الحكومة ومصرف لبنان وصندوق النقد بشأن جوانب رئيسية من مشروع القانون. وكشف مصدر مقرب من مصرف لبنان لـ”الشرق بلومبرغ”، قبل أيام، أن مواقف الأطراف الثلاثة باتت متقاربة بشأن عدد من البنود الأساسية، في وقت يظل إقرار القانون إحدى أبرز العقبات أمام توصل لبنان إلى اتفاق مع الصندوق.
ويشمل هذا التقارب، بحسب المصدر، احترام تراتبية المطالبات عند توزيع خسائر القطاع المصرفي، بالتوازي مع إعادة رسملة جميع المصارف وفق المعايير الدولية لكفاية رأس المال، بما يدعم بناء قطاع قادر على استعادة ثقة المودعين واستئناف تمويل الاقتصاد.
كان لبنان قد توصل في 2022 إلى اتفاق على مستوى الخبراء مع صندوق النقد، إلا أن الانتقال إلى برنامج فعلي تعثر وسط تأخر تنفيذ عدد من الإجراءات والإصلاحات المطلوبة.
وتسعى الحكومة الحالية إلى إعادة تنشيط هذا المسار من خلال استكمال الإطار التشريعي لإعادة هيكلة القطاع المصرفي ومعالجة الخسائر، بما يساعد على استعادة الثقة بالقطاع وتهيئة الظروف لاستئناف النشاط المصرفي بصورة أكثر انتظاماً.
وربط سلام تمرير الإصلاحات المالية أيضاً بمواجهة توسع اقتصاد الكاش في لبنان، الذي نما بصورة كبيرة بعدما فقد القطاع المصرفي دوره التقليدي في الوساطة المالية إثر الأزمة.
وقال رئيس الحكومة إن السلطات تعمل على الحد من اقتصاد الكاش، معتبراً أنه يوفر غطاءً للفساد وتهريب الأموال وتمويل أنشطة غير مشروعة، بما في ذلك تمويل شبكات إرهابية.
لكنه أشار إلى أن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن فصلها عن إعادة تأهيل القطاع المصرفي، قائلاً: “نحن نريد أن نضع حداً لهذا، ولكن هذا يتطلب أن نقدر أن نرجع نكون في عنا نظام مصرفي متعافٍ واقف على رجليه”.
وأفاد سلام “الشرق بلومبرغ” بأن محادثاته مع البنك الدولي تناولت مجموعة من المشاريع، من بينها برنامج لإعادة الإعمار بقيمة 250 مليون دولار، ضمن إطار تمويلي يمكن أن يصل إلى مليار دولار.
كما أشار إلى برامج مرتبطة بالكهرباء والذكاء الاصطناعي، وإلى العمل مع البنك الدولي على دراسة تعزيز الترابط الإقليمي من خلال السكك الحديدية والطرق.
ويعزز ملف إعادة الإعمار الحاجة إلى إحراز تقدم في الإصلاحات المالية، إذ يسعى لبنان إلى استعادة الثقة بالمؤسسات وجذب التمويل الخارجي، في وقت تظل فيه قدرته المحلية على تمويل مشاريع كبيرة محدودة.























































