هل الزيتون مجرّد ثَمَر يُنتِجُ الزّيت، أم أنّه يتجاوزُ المَعنى الحَرفيّ ليُصبحَعلامةًتعودُ الى ماضي الزمان والمطارح، ويرتبطُ بذاكرة النّاس، ليَتَرَبَّعَ الزّيتون، في وجدانهم، رمزًا ؟
إنّ شجرةَ الزّيتون قد حظِيَت بمكانةٍ مرموقة، في الديانات والحضارات المتعاقبة،وقد وردَ ذِكرُها، في هذه المرجعيّات، مرّاتٍ عديدة. في ” سِفرِ التّكوين “، عادت الحمامةُ التي أرسلَها ” نُوح ” من الفُلك، وفي منقارِها غصنُ زيتون، إشارةً الى انتهاء الطّوفان، وإحلال السّلامِ بين الله والأرض، ما يعني إعلانَ قيامِ حياةٍ جديدةٍ يباركُها الخالِق. وفي أحدِ المزامير وردَ النصُّ التالي : “… أنا مثلُ زيتونةٍ خضراء في بيت الله …”. وفي المسيحيّة، يرمزُ الزّيتُ الى حُلول الرّوح القُدس، مع التّركيزعلى جَبل الزّيتون حيثُ كان المسيح يجتمع بتلاميذه ليعلّمَهم، وحيثُ قضى الفادي آخرَ أيّامه على الأرض قبلَ أن يُسلِمَ روحَه على الجلجلة. وجاءَ في ” الحديث ” دعوةٌ الى أكلِ الزيتون وشُربِ الزّيت، والاِدّهان به، ” … فإنّه من شجرةٍ مبارَكة “.
أمّا لدى الفينيقيّين، فقد شكّلت شجرةُ الزيتون شيئًا من هويّة هذا الشّعب، وأثبتَتنفسَها محرِّكًا اقتصاديًّا، لهم، باعتبار الزّيت سلعةً تجاريّة صدّروها الى سكّان المتوسّط، وشمال إفريقيا، وجنوب أوروبا. كما أدخلَ المصريّون القدماءُ الزّيت في إضاءةِ معابدِهم، وفي تركيبةِ تَحنيط موتاهم. أمّا الإغريق الذين اعتبروا شجرةَ الزّيتون رمزًا للحكمة،فقد كانوا يتوّجون الفائزين في الألعاب الأولمبيّة بإكاليل الزّيتون، يفضّلونه على الغَار، وكانوا يعتبرون قَطْعَ شجرة الزيتون جُرمًا، يُعاقَبُ عليه بالنّفي أو بالموت.
وبالرَّغم من أنّ الزيتون هو ” خبزُ الفقير “، كما ورد في الأمثال الشعبيّة، لكنّ غصنَ الزّيتون فَرَضَ نفسَه رمزًا للسّلام، اعتمدَه الأقدمون، وكذلك المُحدَثون، واتّخذته منظّمةُ الأمم المتّحدة شعارًا لها، تعبيرًا عن صَونِها السّلام العالمي.وأقرَّت منظّمة “اليونسكو” يومًا عالميًّا لشجرة الزّيتون في السادس والعشرين من شهرتشرين الثاني، داعيةً الى حماية هذه الشّجرة باعتبارها خطَّ دفاعٍ ضدّ التصحّر، وانجراف التّربة، ومقامة الجَفاف والتّغيّر المناخي.
إنّ شجرةَ الزّيتون كانت، ولمّا تَزَل، تمثّلُ ركنًا هامًّا في المحيط الاجتماعي، أو الهويّة الجَمعيّة التي تنظِّمُ العلاقة بين النّاس. في لبنان، اشتهرت ” العَونة ” في ما مضى، والتي تعني التّرابط والتّكافل ومَدّ يدِ المساعدة للآخر، وكأنّ النّاسَ حزمةٌ واحدة. إنّ ما دعا الى هذا الطّقس الإجتماعي، كان موسم قِطاف الزّيتون والذي لم يَعُدْ مجرَّدَ عملٍ زراعي، بفَدر ما أصبحَ تعزيزًا للتّرابط، والتفافِ النّاس، وإشاعة الوئام والمحبّة الدّائمة وسطَ أهلِ القرى.
أمّا أهميّةُ شجرة الزّيتون، فتبدو في ارتباطها بالوَعيِ الجَمعي، بمعنى أنّ الاهتمامَ بها جعلَ المُعتَنين يستقرّونَ في المكان، ويتجذّرون في مطرحِهم الذي تحوَّلَ،لهم وبهم، كيانًا ذا هويّة. فتمسّكوا بالأرض، وثَبتوا فيها، ودافعوا عنها بصمودهم، وواجهوا التحدّيات بالرّغم من قسوةِ الظّروف، والتفّوا حولَ ” زيتونِهم ” الذي تغلغلَ في وجدانهم عقيدةً قدّسوها.من هنا، لم يكنِ الزّيتون مجرّدَ محصولٍ زراعي، فقد قال عنه “هوميروس ” في ” الإلياذة ” بأنّه الذَّهَبُ السّائل،بالإضافة الى أنّ هذه الشّجرة الخالدة أكَّدَت على أنّهارمزٌ للخير وللبَرَكة، وللارتباط الوثيق بالأرض.
في الماضي، كان الزّيتونُ يحرسُ شَبَعَ النّاس، ويمنعُ الجوع، ويشكّلُ شريانَ الحياة، ويوفِّرُ زيتُه الدّواءَ الشّعبي، أَلَمْ يَرِد في الأهازيجِ ” يا زيتوننا، يا صحن العسل / يَللّي فيك الشِّفا من كلّ العِلَل ” !!!وبعد، إنّ شجرة الزيتون لا تنمو بسرعة، لكنّها تعيشُ طويلًا …
















































