تشير بيانات 2025 إلى تراجع حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية إلى 56% مقابل 59% في 2020، مع تنويع نحو الذهب والعملات غير التقليدية. رغم ذلك، يظل الدولار مهيمناً في التمويل الدولي والتجارة العالمية، حيث يمثل نحو 60% من إصدارات الدين بالعملات الأجنبية و50% من المدفوعات الدولية. التوترات الجيوسياسية واستخدام الدولار في العقوبات تدفع بعض الدول لتقليل الاعتماد عليه.
يتزايد الحديث منذ جائحة كورونا، مروراً بحرب أوكرانيا، ووصولاً إلى التوترات الأخيرة في الشرق الأوسط بفعل حرب إيران، عن بداية نهاية هيمنة الدولار.
لكن البيانات تكشف واقعاً أكثر تعقيداً: تراجع تدريجي في بعض المؤشرات، مقابل رسوخ عميق في قلب النظام المالي العالمي.
الاحتياطيات: تراجع تدريجي.. وتنويع نحو الذهب
تراجعت حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية إلى نحو 56% في 2025، مقارنة بنحو 59% في 2020 وأكثر من 70% مطلع الألفية، بحسب بيانات صندوق النقد الدولي، في إشارة إلى استمرار اتجاه التنويع بعيداً عن العملة الأميركية.
لكن هذا التراجع لا يعكس بالضرورة استبدال الدولار بعملة واحدة، بل تحولاً تدريجياً نحو سلة أوسع من الأصول، تشمل الذهب وعملات أصغر.
يُظهر تحليل للاحتياطي الفيدرالي أن الحصة الحالية تعيد الدولار تقريباً إلى مستوياته في منتصف التسعينيات، مع استقرار نسبي منذ 2022 رغم تصاعد استخدامه في العقوبات المالية بعد حرب أوكرانيا.
كما يشير صندوق النقد إلى أن الجزء الأكبر من هذا التراجع لم يذهب إلى العملات الرئيسية، مثل اليورو أو الين أو الإسترليني، بل إلى ما يُعرف بـ”العملات غير التقليدية”، مثل الدولارين الأسترالي والكندي، إلى جانب الوون الكوري والدولار السنغافوري والعملات الإسكندنافية.
ويعكس ذلك توجهاً نحو تنويع المخاطر داخل النظام المالي القائم، في ظل غياب بديل رئيسي قادر على منافسة الدولار من حيث العمق والسيولة، إلى جانب القيود التي تحد من استخدام بعض العملات الكبرى مثل اليوان.
في المقابل، يبرز الذهب كأحد أهم المستفيدين من هذا التحول، إذ تشير تحليلات “بلومبرغ” التي تستند إلى بيانات صندوق النقد الدولي ومنهجية تقييم معدّلة، إلى أن القيمة السوقية لاحتياطات الذهب لدى البنوك المركزية تجاوزت نظيرتها من الأصول الدولارية لأول مرة منذ أواخر التسعينيات.
كما يظهر أن الطلب الفعلي على الدولار، بعد استبعاد العوائد، انخفض بنحو 15% منذ ذروته في 2014، في وقت زادت فيه حيازات الذهب الفعلية، ما يعزز فرضية التحول في تفضيلات الاحتياطيات.
في الخلفية، يواصل الذهب ترسيخ موقعه كـ”بديل صامت”. بلغت مشتريات البنوك المركزية نحو 863 طناً في 2025، بحسب مجلس الذهب العالمي، وهو مستوى أقل من ذروة السنوات الثلاث السابقة، لكنه لا يزال أعلى بكثير من متوسط العقد السابق، ما يعكس استمرار توجه البنوك المركزية نحو تنويع الأصول والتحوط من المخاطر الجيوسياسية.
التمويل العالمي: قبضة أوضح للدولار
إذا كانت صورة الاحتياطات توحي بتراجع تدريجي في مكانة الدولار، فإن مؤشرات التمويل الدولي تعكس واقعاً أكثر صلابة.
تشير بيانات بنك التسويات الدولية إلى أن الائتمان المقوم بالدولار خارج الولايات المتحدة بلغ 14 تريليون دولار بنهاية 2025، أكثر من نصفه في صورة أدوات دين، ما يبرز اتساع الاعتماد العالمي على العملة الأميركية في التمويل.
كما تُظهر دراسة “الدور الدولي للدولار” الصادرة عن الاحتياطي الفيدرالي في 2025 أن الدولار لا يزال يمثل نحو 60% من إصدارات الدين بالعملات الأجنبية منذ 2010، مقابل نحو 26% لليورو، فيما يستحوذ أيضاً على نحو 55% من المطالبات المصرفية الدولية وقرابة 60% من الالتزامات، وهي مستويات بقيت مستقرة نسبياً على مدى سنوات.
الأرقام تعكس حقيقة أساسية وهي أن الدول والشركات التي تريد تقليل انكشافها على الدولار لا تزال تعتمد عليه بسبب عمق أسواقه، وسيولته، وانخفاض كلفة التمويل مقارنة بالبدائل.
لكن هذه الهيمنة لا ترتبط فقط بخصائص السوق، بل أيضاً بالآلية التي دعمتها لعقود. قام النظام المالي العالمي على تدفقات مستمرة من الخارج، خصوصاً من الصين ودول الخليج، التي أعادت تدوير فوائضها بالدولار إلى الأصول الأميركية.




























































