في الوقت الذي تستهدف فيه المملكة العربية السعودية توليد 50% من كهربائها من مصادر متجددة بحلول عام 2030، يظل مصدر طاقة واعد بعيداً نسبياً عن دائرة الاهتمام، رغم امتلاكه ميزة يصعب على الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح منافستها، وهي القدرة على توفير إمدادات مستقرة من طاقة الحمل الأساسي دون انقطاع.
فالطاقة الحرارية الأرضية، التي تستمد حرارتها من أعماق القشرة الأرضية، قد تمثل أحد الأصول الاستراتيجية غير المستغلة في مزيج الطاقة السعودي، خاصةً مع وجود مؤشرات جيولوجية واعدة في الحقول البركانية (الحرّات) على امتداد الدرع العربي غرب المملكة، إلى جانب الخبرات الجوفية المتراكمة التي اكتسبها قطاع النفط والغاز عبر عقود من الاستكشاف.
تلك هي خلاصة ورقتين نقاشيتين صادرتين عن مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية “كابسارك”؛ تتناول الأولى الشفافية القانونية والحوكمة المالية وتدابير الحد من المخاطر، فيما تركز الثانية على حوكمة البيانات الجوفية بوصفها المدخل الأول لخفض مخاطر الاستكشاف في المملكة.
كيف تعمل الطاقة الحرارية الأرضية؟
تختلف الطاقة الحرارية الأرضية عن مصادر الطاقة المتجددة التقليدية بعدم اعتمادها على سطوع الشمس أو سرعة الرياح، إذ تستغل الحرارة المختزنة في باطن الأرض عبر حفر الآبار ونقلها إلى السطح باستخدام موائع التشغيل من ماء وبخار لإدارة محطات التوليد. كما يمكن استخدام هذه الحرارة مباشرة في التدفئة والتبريد في المباني والمنشآت الصناعية، فضلاً عن الاستخدامات الزراعية.
رغم هذه المزايا، لا تتجاوز مساهمة الكهرباء المولدة من الطاقة الحرارية الأرضية نحو 0.18% من إجمالي القدرة العالمية لتوليد الكهرباء عام 2024، وفق بيانات “ريستاد إنرجي” التي تستشهد بها الورقة الأولى، إضافة إلى نحو 0.19% من الطلب النهائي على الطاقة عالمياً عبر تطبيقات الاستخدام المباشر، وهي نسبة محدودة مقارنة بالإمكانات المتاحة.
وأسهم دخول تقنيات حديثة، مثل الدورات الثنائية وأنظمة الطاقة الحرارية الأرضية المتقدمة وإعادة استخدام آبار النفط والغاز غير المستغلة، التوجه نحو تطوير موارد منخفضة المحتوى الحراري متاحة على نطاق أوسع، ما يفتح المجال أمام دول لم تكن تقليدياً ضمن خريطة هذه الطاقة.
ترى الورقتان أن العقبة الرئيسية ليست جيولوجية بقدر ما هي تنظيمية ومعلوماتية. إذ تعاني عدة أنظمة قانونية من غياب توجه حكومي واضح في تطوير الطاقة الحرارية الأرضية، وتشتت الهياكل المؤسسية، وعدم وضوح إجراءات منح التراخيص، وهي عوامل تكرّس حالة من عدم اليقين تضعف فرص الاستثمار، ويوازي أثرها مخاطر مرحلة الاستكشاف نفسها.
لذلك تُبرز الورقة الأولى، ضمن أبرز الركائز القانونية لإحراز التقدم في هذا المجال، حسم قضايا ملكية الموارد وحقوق النفاذ إليها، واعتماد إجراءات واضحة ومبسطة لمنح التراخيص، ووضع لوائح لاستخدام المياه، وسن أحكام لإدارة المكامن على المدى الطويل، واتباع آليات موثوقة لشراء الإنتاج وتسعيره.
ولا تقل البيانات الجيولوجية أهمية عن التشريعات. فمراحل تطوير هذه المشروعات تعتمد اعتماداً بالغاً على المعلومات المتعلقة بباطن الأرض، بما في ذلك البيانات الجيولوجية وخصائص المكمن وتركيبة الموائع، إلى جانب درجات الحرارة ومستويات الضغط وقابلية النفاذ.
يؤدي نقص البيانات أو صعوبة الوصول إليها إلى رفع مخاطر الاستكشاف بصورة كبيرة، ما يجعل الحكومات مطالبة، كحد أدنى، بالاحتفاظ بسجلات عامة للبيانات الجيولوجية والزلزالية وبيانات الحفر، مع التزام السلطات في الوقت نفسه حماية المعلومات التجارية الحساسة وعدم الكشف عنها.
تحديات المياه والبيانات في السعودية
في السعودية، تكتسب هذه القضية أهمية إضافية بسبب محدودية الموارد المائية، إذ تشير الورقة الأولى إلى أن الأطر التنظيمية الصارمة المتعلقة بالمياه الجوفية قد تحد من استخدام موارد الطاقة الحرارية الأرضية الضحلة في المملكة، ما يستدعي أطراً توازن بين حماية الموارد المائية والاستفادة من الموارد الحرارية.
وتأخذ فجوة البيانات في السعودية بُعداً أكثر تعقيداً بحسب الورقة الثانية، إذ أفرزت عقود من أنشطة النفط والغاز قواعد بيانات جوفية واسعة، إلا أنها تتركز إلى حد كبير لدى أرامكو السعودية بحكم امتيازاتها الممتدة في أنحاء المملكة، إلى جانب بيانات لدى شيفرون وأرامكو لأعمال الخليج في المنطقة المقسومة مع الكويت.
يخلق هذا التركز حالة من “عدم تماثل المعلومات”، إذ تكون تكلفة إعادة التفسير متواضعة بالنسبة للجهات المشغّلة القائمة، بينما يواجه الوافدون الجدد ما تصفه الورقة بمشكلة “الانطلاقة الباردة”، والمتمثل بتمويل استكشاف مكلف لبناء قاعدة معرفية موجودة فعلياً.
وتزيد المفارقة الجغرافية الأمر تعقيداً؛ فالموارد الحرارية الواعدة تقع في حقول الحرّات غرب المملكة، بينما تتركز البيانات الغنية في الصحيفة العربية شرقاً حيث الأحواض الهيدروكربونية. ومن دون آلية وطنية تتيح مشاركة هذه البيانات وفق نظام وصول متدرج يحمي الأصول الإستراتيجية، سيسعّر مقدمو رأس المال المخاطر بتحفظ، وستبقى المشاركة محصورة في مشروعات مضاربية أو مدعومة بكثافة.
التمويل والتسعير.. مفتاح الانطلاق
أما التحدي الاستثماري الأكبر، فيتمثل في ارتفاع المخاطر خلال مرحلة الاستكشاف، إذ تستحوذ مرحلتا الاستكشاف والحفر على الحصة الأكبر من التكاليف قبل بدء تحقيق أي إيرادات، ويتعين على المستثمرين ضخ استثمارات رأسمالية مرتفعة قبل التحقق من الجدوى التجارية، وهو ما يجعل التمويل أكثر صعوبة مقارنة بالعديد من مصادر الطاقة المتجددة الأخرى.
وتوضح الورقة الأولى أن ذروة المخاطر تتركز في المراحل المبكرة من عملية الاستكشاف، قبل أن تتراجع تدريجياً، وهو ما يبرر تدخل الحكومات عبر آليات تقاسم المخاطر، والضمانات، والتمويل الميسر.
ويبرز التسعير باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية، إذ ينبغي أن تضمن ترتيبات التسعير إيرادات مستقرة وطويلة الأجل تعكس ارتفاع التكاليف الرأسمالية في المراحل المبكرة، بما يدعم قابلية التمويل. ولهذا توصي الورقة الأولى باعتماد أطر مستقرة وشفافة لشراء الإنتاج والتسعير، عبر أدوات تشمل التعرفات الخاضعة للرقابة التنظيمية وتعرفات الإمداد بالطاقة واتفاقات شراء الطاقة والعقود مقابل الفروقات، بحسب مستوى نضج السوق. كما تؤكد ضرورة أن يكون تعريف استخدامات الطاقة الحرارية الأرضية موسّعاً بما يشمل مشروعات الاستخدام المباشر والاستغلال المتدرج، لا الاكتفاء بتوليد الكهرباء، بما يعزز الجدوى الاقتصادية للمشروعات.
دروس من التجارب الدولية
تقدم التجارب الدولية نماذج يمكن الاستفادة منها. ففي هولندا، أسهمت إتاحة البيانات عبر قواعد وطنية في الحد من المخاطر التي تواجه المشغلين ودعم مشروعات الاستخدام المباشر.
أما إندونيسيا، فأطلقت وزارة الطاقة والموارد المعدنية فيها منصة إلكترونية موحدة للبيانات الجيولوجية والمكانية عام 2017، مع احتفاظ الدولة بملكية بيانات الطاقة الحرارية الأرضية واشتراط موافقتها المسبقة قبل نقلها.
وفي الولايات المتحدة، تتولى وزارة الطاقة وهيئة المسح الجيولوجي تجميع بيانات الآبار والموارد وتعميمها عبر منصات عامة، فيما اتخذت وزارة الداخلية الأمريكية مؤخراً تدابير تهدف إلى تسريع النظر في طلبات التراخيص ومنح الموافقة في غضون أقل من شهر واحد، بعد أن كانت المشروعات على الأراضي الفدرالية تستغرق تقليدياً نحو عشر سنوات.
كما اعتمدت الفلبين إجراءات اختيار مفتوحة وتنافسية في مناطق محددة مسبقاً استناداً إلى البيانات الفنية المتاحة، ما خفض مستوى عدم اليقين أمام المستثمرين.
وتخلص الورقتان إلى أن مستقبل الطاقة الحرارية الأرضية لا يعتمد على وفرة الموارد الطبيعية وحدها، بل يرتبط أيضاً بقدرة الحكومات على بناء منظومة قانونية ومالية ومعلوماتية متكاملة تغطي دورة حياة المشروع بالكامل، بدءاً من الاستكشاف ووصولاً إلى إيقاف تشغيل المنشآت.
بالنسبة للسعودية، التي راكمت خبرات جوفية عبر عقود من استكشاف الموارد الهيدروكربونية، قد يمثل تطوير هذا القطاع فرصة لتنويع مزيج الطاقة ودعم خفض الكربون في القطاع الصناعي، شريطة معالجة فجوات التشريعات والبيانات والتمويل التي لا تزال تشكل العائق الأكبر أمام استغلال هذه الثروة الكامنة تحت سطح الأرض.
المصدر:بلومبرغ الشرق





















































