الدكتور حسام نصَّار – باحث انثروسوسيولوجي لبناني.
لكنَّ الوعي ليس حُكمًا أبديًّا بالشقاء، كما أنَّ القلق ليس دليلًا على عمقٍ استثنائيّ بالضرورة. فقد يفتح لنا بابًا إلى الفهم، وقد يتحوَّل؛ إن استبدَّ بنا، إلى دائرة تستنزف قدرتنا على العيش. كما أنَّ ليس كلّ تفكير حكمة، ولا كلّ شكّ تحرّرًا، ولا كلّ ألّم معرفة. فثمَّة لحظة ينبغي فيها للعقل أن يفسح المجال للقلب، وللتحليل لأن يهدأ أمام التجربة، وللسؤال أن يترك للحياة فرصةً كي تُعاش قبل أن تُفسَّر.
لسنا مطالبين بأن نهزم الظلال كلّه، ولا بأن نعثر على إجابة نهائيَّة لكلّ سؤال. يكفينا أحيانًا أن نميِّز بين ما نستطيع تغييره وما ينبغي لنا أن نتعلَّم التعايش معه، وأن نراجع المعاني التي ورثناها، وأن نتحرَّر من الأحكام التي لم تعد تعبِّر عن كينونتنا، وأن نمنح أنفسنا حقّ التوقُّف من دون أن نسمِّيه فشلًا. فربَّما لا يكون الشغف الذي نظنّه مفقودًا قد مات، ربَّما أرهقته مطاردة ما لا يشبهنا، واستنزفه السعي إلى اعترافٍ لا يمنحنا سلامًا، وأتعبه التظاهر بالقوَّة في اللحظات التي كنَّا نحتاج فيها إلى الاعتراف بأنَّنا بشر ضعفاء.
وربَّما أيضًا لا نحتاج إلى إعادة إشعال كلّ ما انطفأ فينا، بل إلى اكتشاف ما يستحقّ أن نُضيئه من جديد، إلى التمييز بين رغبتنا الحقيقيَّة وما زُرع فينا من رغبات الآخرين، وبين ما نريده لأنفسنا وما نريده كي نثبت للآخرين أنَّنا نستحق الوجود. إنَّ النضج ليس أن نبلغ حالةً لا تناقُضَ فيها، بل أن نفهم تناقضاتنا من دون أن نجعلها سجونًا، وليس أن نتخلَّص من هشاشتنا، بل أن نكفّ عن إنكارها، وليس أن نمتلك العالم، بل أن نتعلَّم كيف نقيم فيه من دون أن نفقد أنفسنا.
وفي هذا المعنى، يصبح البحث عن الذات ممارسة روحيَّة بقدر ما هو فعل عقلي، لأنَّ الروح لا تتسع بالضرورة بكثرة ما تجمعه، بل بما تتحرَّر منه من أوهام الامتلاك والسيطرة، وبقدرتها على الإصغاء إلى ما يتجاوز أنانيتها من دون أن تتنكَّر لفرادتها. ويصبح الحضور شكلًا من أشكال المعرفة، والمحبَّة تمرينًا على الاعتراف بالآخر، والصمت فسحة لاختبار ما تعجز اللُّغة عن قوله. لسنا بحاجة إلى أن نحوِّل كلّ تجربة إلى نظريَّة، ولا أن نستخرج من كلّ جرح درسًا، ولا أن نمنح كلّ خسارة معنى يبرّر حدوثها. فبعض الفقد لا تعوّضه الحكمة، وبعض الأسئلة تظلّ مفتوحة لأنَّ حدود معرفتنا جزء من حقيقة وجودنا. لكنَّنا نستطيع أن نختار ما نفعله بما نمرّ به، أن نمنع الألم من التحوُّل إلى قسوة، والخوف من التحوُّل إلى كراهية، والخيبة من التحوُّل إلى إنكار لكلّ إمكان، وأن نحفظ في داخلنا مساحة للدهشة، حتَّى حين تتراجع قدرتنا على التصديق والرغبة.
نعم نحن أبناء الحزن، لكنَّنا لسنا تعريفًا له، وأبناء القلق، لكنَّنا لسنا محكومين بالبقاء في دائرته، وأبناء الأسئلة، لا لأنَّنا تملك أجوبتها، بل لأنَّنا نرفض أن نعيش من دون أن نُمعِن التفكير فيها والتَّفَكُّر. نواصل البحث عن الحقيقة، لا لأنَّنا نضمن العثور عليها، بل لأنَّ البحث نفسه قد يكون موقِفنا من الحياة. سنواصل السؤال، ونُراجع يقيننا، ونُصغي إلى ما يتغيَّر في داخلنا، ونترك للمعنى حقَّه في أن يتجدَّد. فليس النور دائمًا حقيقةً نهائيَّةً نبلغها، بل قد يكون قدرةً على الرؤية، أو شجاعةً في الاعتراف، أو رحمةً نمنحها لأنفسنا وللآخرين حين تضيق بنا الأحكام.
وربَّما بعد كل هذا المجهود والسعي خلف معرفة سرّ الوجود وتفسيره، لن نحتاج إلى أكثر من لحظةٍ هادئة، وفنجان قهوة، ونافذة تطلّ على اللاشيء، لحظةلا ننتصر فيها على الزمن، ولا نهرب من العالم، بل نكفّ عن محاولة اللحاق بهما. لحطة نستعيد فيها صفاء الشهود، فنكون حيث نحن، لا أسرى لما كان، ولا رهائن لما قد يأتي، نراقب الحياة من دون أن نطالبها بتبرير كلّ ما يحدث، ونُصغي إلى أنفسنا من دون أن نحوِّل الإصغاء إلى محاكمة جديدة.
فليس كلّ صمت فراغ، وليس كلّ توقُّف عجزًا، وليس كلّ سؤال بحاجة إلى جواب. وقد لا تكون الطمأنينة في أن تنتهي الحيرة، بل في أن نتعلَّم كيف نقيم معها من دون أن تسلبنا قدرتنا على الحبّ والعمل والدهشة. أحيانًا تغدو الحياة عَبَثًا إذ لا نكفّ قليلًا عن مطالبتها بأن تُفسِّر نفسها، ونمنح أنفسنا حقّ أن نعيشها. ورُبَّما في تلك اللحظة تحديدًا، لا نعود أبناء الفلسفة وحدها، بل أبناء حضورنا، وشهود تجربتنا، وكتاب الأسئلة التي لم تُكتَب بعد. فنحن لا نبحث عن المعنى كي نمتلك الوجود، بل كي نعبره بوعيٍ أعمق، وقلبٍ أقل خوفًا، وروحٍ أكثر قدرةً على الإصغاء.
وهكذا نعود إلى السؤال الأساس:” أيُّها المتفلسفون، ومن أنتم؟”
ليبقى الجواب:” لا أعلَم، فحتَّى الآن مازلت أجهَل، لكنَّني أسعى جاهدًا للبحث عن المعرفة في مجاهل هذا العمر القصير، علَّني أصل إلى الجواب الأقرَب إلى الصواب. وإلى حينها سأحيا تجلِّيَّات الحريَّة والسعادة والحُبّ والجمال والأمان، حضورًا وشهودًا وعبورًا … والسلام”.






















































