الدكتور حسام نصَّار – باحث انثروسوسيولوجي لبناني.
نحن أبناء أسئلةٍ أقدَم من إجاباتِنا، وقلقٍ أعمق من قُدراتِنا على تفسيره، ووعيٍ كلَّما اقترب من حقيقةٍ اكتشف أنَّ ما يجهله أوسع ممَّا يعرفه. نحن أبناء تلك اللحظة التي يتوقَّف فيها الإنسان عن تكرار ما ورثه، ويجرؤ على مُساءلة ما اعتقده يقينًا، فلا تعود الحياة مُجرَّد عبورٍ بين الولادة والموت، بل تُصبح سؤالًا عن معنى أن نكون، وعن حقيقة من نكون، وعن ذلك الشيء الخفيّ الذي يجعلنا نواصل البحث، حتَّى حين يستنزفنا البحث نفسه.
نحن أبناء الفلسفة منذ أن جعل سقراط السؤالَ امتحانًا للذات، وأيقظ أفلاطون الشكَّ في ظواهر الأشياء، ورَبَط أرسطو المعرفة بالنظر في العلل والمبادئ. نحمل أثر هيراقليطس الذي رأى في التغيير قانونًا للوجود، وبارمنيدس الذي دافع عن وحدة الكينونة وثباتها، وزينون الإيلي الذي كشف مفارقات الحركة، وديموقريطس الأبديري الذي تصوَّر العالم مؤلَّفًا من ذرَّات، وزينون الرواقي الذي جعل الحريَّة الداخليَّة سبيلًا لمواجهة ما لا يخضع لإرادتنا.
من هؤلاء الأوائل تعلَّمنا أنَّ العقل ليس أداةً لتفسير العالم فحسب، بل قدرةٌ على مُساءلة علاقتنا به، وأنَّ الحكمة لا تبدأ حين نمتلك الأجوبة، بل حين نتخلَّى عن وهم امتلاكها. ثمَّ عبرت الفلسفة عصورًا تغيَّرت فيها أسئلة الإنسان، من البحث في الطبيعة والعقل إلى التأمُّل في الروح والخلاص والزمن والمصير. فكتب أنيسيوس بوثيوس “عزاء الفلسفة”، في مواجهة تقلُّبات الحظ، وتأمَّل أوغسطينوس القدِّيس الذاكرة والزمن والإرادة والبحث عن الله، فيما حاول توما الأكويني إقامة حوار بين العقل والإيمان، وتمسَّك يوحنا الدمشقي بلاهوته الدفاعي.
وفي فضاء الفلسفة المشَّائيَّة، انفتح العقل على أسئلة الوجود والماهية والعلَّة والمعرفة. فبحث الفارابي في المدينة الفاضلة ومراتب العقل، وميَّز ابن سينا بين الوجود والماهية، واختبر الغزالي حدود المعرفة واليقين، ودافع ابن رشد عن إمكان التلاقي بين الحكمة والشريعة. ومضى السهرودي في تأسيس فلسفة الإشراق، واستكشف ابن عربيتجلِّيَّات الوجود ووحدة الحقيقة في أُفق تجربته العرفانيَّة، وجعل النفَّري من الوقفة والحيرة والكشف لغةً لملامسة ما تعجز العبارة عن الإحاطة به. أمَّا الحلَّاج فقد ارتبط اسمه التجربة الصوفيَّة التي دفعت حدود التعبير عن العلاقة بين الإنسان والمُطلَق إلى تخومها القصوى. فيما قرأ ابن خلدون العمران البشري في ضوء العصبيَّة والتحوُّلات الاجتماعيَّة ودورات قيام الدول وسقوطها.
لم تكن تلك المسارات مُتطابقة، ولم يكن أصحابها يقولون شيئًا واحدًا بألفاظٍ مُختلفة، لكنَّها كشفت أنَّ الإنسان لا يبحث عن المعرفة ليفهم العالم وحده، بل ليفهم موقعه فيه، وما إذا كان وجوده مُجرَّد واقعة عابرة، أم تجربة تستحق التأمُّل والمسؤوليَّة.
ومع انتقال الفلسفة إلى العصر الحديث، أصبح العقل نفسه موضوعًا للنقد والامتحان، إذ بدأ رينيه ديكارت من الشكّ بحثًا عن اليقين، ورأى باروخ سبينوزا في فهم الضرورة سبيلًا إلى الحريَّة، فيما صاغ غوتفريد لايبنتس تصوُّره للعوالم المُمكنة وسعى إلى مُعالجة مسألة الشرّ. وجعل بليز باسكال الإنسان كائنًا مُعلَّقًا بين عظمة التفكير وهشاشة الوجود، بينما كشف ديفيد هيوم حدود الاستدلال في مسائل المعرفة والسببيَّة. ثمَّ جاء إيمانويل كانط ليختبر حدود العقل وشروط المعرفة، وقرأ فريدريش هيغل التاريخ والفكر من خلال الجدل والتحوُّل، وردَّ لودفيغ فيورباخ التصوُّرات الدينيَّة إلى جذورها الإنسانيَّة، وحلَّل كارل ماركس الاغتراب وعلاقات الإنتاج والصراع الطبقي. أمَّا آرثر شوبنهاور فرأى في الإرادة مصدرًا عميقًا للمُعاناة، وجعل فريدريش نيتشه إعادة تقييم القِيم ومواجهة العدميَّة شرطًا لابتكار إمكانات جديدة للحياة. وفي موازاة هذه التحوُّلات، جعل سورين كيركيغارد القلق والاختيار والإيمان قضايا للوجود الفردي.
وفي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين للميلاد، اتَّسعت أسئلة الزمن والوعي والتجربة، فميَّز هنري برغسون بين الزمن المحسوب والزمن المعيش بوصفه ديمومةً داخليَّةً، ودَرَس ويليام جيمس تيَّار الوعي وتعدُّد الخبرة الإنسانيَّة، بينما أسَّس إدمون هوسرل الفينومينولوجيا، داعيًا إلى وصف الكيفيَّة التي تظهر بها الأشياء للوعي. ومع مارتن هايدغر عاد سؤال الكينونة إلى مركز الفلسفة، وتناول كارل ياسبرز المواقف الحدِّيَّة، كالمرض والموت والذنوب، فيما ربط جان بول سارتر الحريَّة بالمسؤوليَّة، وجعل الوجود الإنساني مشروعًا لا يكتمل إلَّا بالاختبار والفعل.
هذا وحلَّلت سيمون دو بوفوار علاقة الحريَّة بالوضع الاجتماعي والآخر، وأبرز موريس ميرلوبونتي دور الجسد في إدراك العالم، وتأمَّل غابرييل مارسيل الحضور والأمل والإخلاص في مواجهة اختزال الإنسان إلى الموضوع. أمَّا ميغيل دي أونامونو فقد عبَّر عن التمزُّق بين مطالب العقل وتوق الإنسان إلى الخلود. ومنها إلى حدود الحريَّة في مواجهة البُنى الاقتصاديَّة والسلطات السياسيَّة مع ليون تروتسكي الذي ارتبط اسمه بتحليل الثورة الدائمة والصراع السياسي والتحوّلات الاجتماعيَّة، وصولًا إلى أنطون سعادة ومشروعه القومي الاجتماعي ومحوره فلسفة النهضة في علاقة الفرد بالمجتمع والأمَّة.
وفي موازاة الفلسفة الوجوديَّة، تعمَّقت أسئلة اللُّغة والمنطق والعلم والسلطة، فبحث لودفيغ فيتغنشتاين في حدود اللُّغة وعلاقتها بالمعنى، وجمع برتراند راسل بين التحليل المنطقي والنقد الاجتماعي، ودرس ميشيل فوكو علاقة المعرفة بالسلطة وكيفيَّة تشكُّل الذات داخل المؤسَّسات والخطابات، وطوَّر جاك دريدا التفكيك لكشف التوتُّراتالكامنة في النصوص، وركَّز جيل دولوز على الاختلاف والتعدُّد والصيرورة، وحلَّل أنطونيو غرامشي الهيمنة الثقافيَّة، ونقد تيودور أدورنو وهربرت ماركوزه تناقضات العقل الأداتي وآليَّات السيطرة في المجتمعات الحديثة، فيما تأمَّل فالتر بنيامين التاريخ والذاكرة والثقافة. وبحث إريك فروم في التوتُّر بين الحريَّة والحاجة إلى الانتماء، وحلَّلت حنة أرنت الشموليَّة والمسؤوليَّة والتفكير والحياة السياسيَّة. بينما درس بول ريكور الذاكرة والسرد والتأويل، وتناول تشارلز تايلور تشكُّل الهويَّة ضمن أُطرها الاجتماعيَّة والتاريخيَّة، فيما وصف زيغمونت باومان سيولة العلاقات والمؤسَّسات في الحداثة المُتأخِّرة. من هذه المسارات تعلَّمنا أنَّ الأفكار لا تولد في فراغ، فكلّ معرفة تتشكَّل داخل سياق، وكلّ خطاب يفتح إمكانات ويغلق أُخرى، وكلّ يقين يستحق أن نختبر الشروط التي تجعله يبدو لنا كحقيقةٍ نهائيَّة.
ثمَّ جاءت مدارس علم النفس والتحليل النفسي لتكشف أنَّ الذات ليست شفَّافة أمام نفسها، وأنَّ ما نُعلنه عن دوافعنا لا يستنفد بالضرورة حقيقة ما يُحرِّكنا. إذ كشف سيغموند فرويد دور اللاوعي والصراعات النفسيَّة، وطوَّر كارل غوستاف يونغ مفاهيم الظلّ واللاوعي الجمعي والتفرُّد، وركَّز ألفرد أدلر على الشعور بالنقص والسعي إلى التفوُّق. وأسهمت ميلاني كلاين في تطوير نظريَّة العلاقات بالموضوع، ودرس دونالد وودز وينيكوت أثر البيئة الحاضنة في نمو الذات، وأعاد جاك لاكان قراءة التحليل النفسي من خلال اللُّغة والرغبة والآخر. وجعل فيكتور فرانكل البحث عن المعنى محورًا في مُقاربته النفسيَّة، وتناول رولو ريس ماي القلق والحريَّة والشجاعة، فيما استكشف إرفين يالوم العزلة والموت والحريَّة وغياب المعنى بوصفها قضايا مركزيَّة في العلاج النفسي الوجودي.






















































