الدكتور حسام نصَّار – باحث انثروسوسيولوجي لبناني.
ولأنَّ الفلسفة لا تعيش وحدها في عالمها الخاص، فقد وَجَدَت في الأدب مرآةً لما يعجز التنظير عن احتوائه، فصوَّر فيودور دوستويفسكي صراعات الضمير والإيمان والشكّ، وكشف كافكا هشاشة الفرد أمام الأنظمة الغامضة والسلطات التي لا تمنحه تفسيرًا كافيًا لمصيره، وواجه ألبير كامو صمت العالم أمام توق الإنسان إلى المعنى. وجعل صموئيل بيكيت الانتظار واللايقين محورًا لمسرحه، وكشف أوجين يونسكو عبث التواصل حين تفقد اللُّغة قدرتها على بناء معنى مُشترك.
وعبَّر فرناندو أنطونيو بيسوا عن تعدُّد الأصوات داخل الذات وتشتُّت الهويَّة، وحوَّل خورخي لويس بورخيس المتاهات والمرايا واللانهاية إلى أدوات للتفكير في الواقع والمعرفة، واستكشف مارسيل بروست علاقة الذاكرة بالزمن والتجربة، فيما فكَّك ويليام فوكنر التسلّسل الزمني في السرد، ووسَّع جيمس جويس إمكانات اللُّغة وتيَّار الوعي، والطقتت أدالين فرجينيا وولف التحوُّلات الدقيقة في الحياة الداخليَّة، وجعل توماس برنهارد التكرار والسخط والاغتراب جزءًا من بُنية الكتابة.
وفي الشعر صوَّر جون ميلتون السقوط والتمرُّد في “الفردوس المفقود”، ومزج ويليام بليك الرؤية الشعريَّة بالنقد الاجتماعي والديني، واستكشف إدغار آلان بو الرعب النفسي واضطراب الادراك، فيما تمرَّد جان رامبو على الأشكال المألوفة للكتابة. وأنصت راينر ريلكه إلى هشاشة الإنسان وأسئلته الداخليَّة، وصوَّر توماس إليوت التفتُّت الروحي والثقافي للحداثة، وتأمَّلت إميلي إليزابيت ديكنسون الموت والعزلة والخلود، فيما اكتشفت سيلفيا بلاث وآن سيكستون عن صراعات الذات والهويَّة والألم النفسي.
هؤلاء أتاحوا لنا أن نرى ما يتعذَّر علينا قوله عن أنفسنا، ففي الأدب؛ كما في الفلسفة، قد نعثر على جرح لم نكن نعرف اسمه، أو خوف حسبناه فرديًّا فإذا به وجه من وجوه التجربة الإنسانيَّة المشتركة. ومع ذلك لا تُختزل عظمة الكاتب في معاناته، ولا تُقاس قيمة الفنّ بمقدار الألم الذي يسكنه. فالإبداع ليس استعراضًا للجرح، بل قدرةٌ على تحويل التجربة إلى شكلٍ ومعنى ورؤية.
أمَّا في الفنّ التشكيلي، فقد حوَّل فان غوخ اللَّون إلى تعبير عن رؤية العالم، ومنح إدفارد مونك القلق صورته الشهيرة في لوحة “الصرخة”، وصوَّر إدوارد هوبر العزلة في فضاءآت الحياة اليوميَّة، وكشف فرانسيس بيكون هشاشة الجسد وعنف التجربة، فيما جعل ألبرتو جياكوميتي الأجساد النحيلة والفراغ المحيط بها صورًا للتباعد والوحدة. فالفن هذا حوَّل ما يبدو فوضى داخليَّة إلى تجربة قابلة للتأمُّل.
ثمَّ اتَّسع النقد ليشمل أنظمة الهيمنة وصناعة الهويَّة وتشكيل الوعي الجمعي. فكشف إدوارد سعيد ارتباط الصور الاستشراقيَّة للشرق بعلاقات القوة والهيمنة الاستعماريَّة، ودرس فرانتز عمر فانون آثار الاستعمار والعنصريَّة في النفس والمجتمع، وحلَّل بيير بورديو الهيمنة الرمزيَّة وإعادة انتاج الامتيازات. وحذَّر جورج أورويل من توضيف اللُّغة السياسيَّة لتشويه الحقيقة، وتخيَّل ألدوس هكسلي مجتمعًا تُدار فيه السيطرة عبر اللَّذة والتكيُّف، فيما نقد نعوم تشومسكي آليَّات الدعاية وصناعة القبول.
وفي الفكر العربي الحديث، اشتغل أدونيس على الحداثة وتحوُّلات اللُّغة والتراث، ودعا محمد أركون إلى نقد العقل الديني التاريخي، وأسهم عبد الرحمن بدوي في تقديم الفلسفة الوجوديَّة إلى الفكر العربي، وبحث عبد الله العروي في التاريخ والحداثة والأيديولوجيا، ودرس محمد عابد الجابري بنية العقل العربي وطرائق إنتاج المعرفة فيه. وتناول نصر حامد أبو زيد تاريخيَّة التأويل والعلاقات بين النص والسياق. والتقت هذه المسارات على اختلاف مناهجها ومرجعيَّاتها عند سؤال لا يزال مفتوحًا: كيف نفكِّر في ذواتنا وتاريخنا من دون أن نحوِّل الموروث إلى قيدٍ أبديّ، أو الحداثة إلى سلطةجديدة لا تقبل النقد.
وفي الفكر الفلسفي والديني، فقد أسهم سامي مكارم في دراسة الحكمة وصلتها بالتأمُّل والتجربة الروحيَّة، واشتغل وجيه قانصو على قضايا الفكر الديني والفلسفة والتأويل، أمَّا مشير عون فقد انشغل بقضايا الفلسفة والدين واللاهوت، ويأتي أنطوان فليفل ضمن المشهد الفكري المعاصر حيث تتشابك الأسئلة الفلسفيَّة والدينيَّة والثقافيَّة مع قضايا الإنسان والمجتمع. إنَّنا لا نستدعي هؤلاء المفكِّرين لنجمع أسماءهم في سلسلة من المرجعيَّات، بل لنرى كيف تتجدَّد الأسئلة نفسها في بيئات تاريخيَّة وثقافيَّة مختلفة، وكيف يتغيَّر معناها حين تنتقل من سياقٍ إلى آخر. فالتراث ليس كتلة مغلقة، والحداثة ليست قدرًا واحدًا، والهويَّة ليست جوابًا مُكتملًا، بل كلُّها محالات تتطلَّب من العقل أن يُمَيِّز بين ما يستحق الاستمرار وما يحتاج إلى تأويل.
من هنا ينفتح أُفق آخر للتأمُّل، أُفق الفلسفة التَّمعنويَّة الواجودِقِيَّة، بوصفها فلسفة للتَّمَعنِ في الوجود من داخل تجلِّيَّاته بحثًا عن معنى معناه، فالإنسان لا يراقب العالم من خارجه، ولا هو ذاتًا منفصلة عن موضوعها، بل كينونة تتأمَّل الوجود من داخله، فالذات لا تقف في مواجهة العالم، بل هي مِرَوَاتٌ تَتَمَرأى على صفحاتِها سمات التَّجلِّي، ومن خلال انكشافها تستعيد الذات استكشاف ذاتها في فعلٍ وجوديٍّ استمراريّ.
وعليه، فنحن أبناء هذه الأسئلة المُتضادِدَة المُتنادِدَة المُتضارِبَة المُتقاطِعة المُتآلِفَة، لا لأنَّ أصحابها اتفقوا على حقيقة واحدة أو اختلفوا حولها، بل لأنَّ اختلافهم يكشف استحالة اختزال التجربة الإنسانيَّة في تفسيرٍ أوحَدٍ. فمنهم المؤمن والملحد، والمثالي والمادي، والمتشائم والمتفائل. منهم من رأى في العقل طريقًا إلى التحرُّر، ومنهم من كشف حدوده، ومنهم من بحث عن المعنى بوصفه حقيقةً تُكشَف، ومنهم من رآه إمكانًا نصنعه بأفعالنا وعلاقاتنا واختياراتنا. فنحن لا ننتمي إلى إجابةٍ جاهزة، بل ننتمي إلى حقِّ السؤال في أن يبقى حيًّا.
قد نكون أبناء قلق لا يجد دائمًا اسمًا، وحنين لا يعرف إلى أين يعود، وشغفٍ تستنزفه الخيبات، ووعي قد يوسِّع المسافة بين الإنسان وطمأنينته. نحمل أسئلة الفلاسفة، لكنَّنا لا نذوب في أفكارهم، ولا نستعير آلامهم كي نفسِّر آلامنا، ولا نجعل من أسمائهم شارات نعلِّقها على وعينا. فالفكر الذي لا يعبر تجربة صاحبه قد يتحوَّل إلى زينةٍ ثقافيَّة؛ والثقافة تُزَيِّن ولا تُزَيَّن. والمعرفة التي لا تمسّ علاقتنا بأنفسنا والآخر والعالم قد تبقى معلوماتٍ جامدةٍ مُتراكمةٍ لا حكمةً حيَّة فيها. فنحن لسنا مُجرَّد ورثةٍ لمكتبةٍ عظيمة، نحن أيضًا أبناء تجاربنا الخاصَّة، وما لم تستطيع الكتب أن تقوله عن خوفنا وحبّنا وفقدنا وتردّدنا وحاجتنا إلى أن نُرى كما نحن، لا كما يريد الآخرون لنا أن نكون.
نحن قاطنو العشوائيَّات التي يبنيها الحُبّ الزائف، ويرفع التكاذُب الاجتماعي جدرانها، ويترك الاغتراب نوافذها مفتوحة على العدم. نعيش أحيانًا في صروحٍ من التوقُّعات الموروثة، ونكرّر أحكامًا لم نختبرها، ثمَّ نتساءل لماذا نشعر بأنَّنا غرباء في محيطنا. نعيش في عالم يتضخَّم فيه فائض المعلومات فيما يتراجع نصيب الإنسان والمعنى، وتتسع فيه وسائل التواصل بينما تتعقَّد إمكانيَّة اللِّقاء الحقيقي. نعرف كيف نعرض أنفسنا، لكنَّنا لا نعرف دائمًا كيف نصغي إليها، نملك وسائل لا تُحصى للاتصال، لكنَّنا قد نفتقر إلى لحظة حضورٍ واحدة لا نضطر فيها إلى التمثيل.
نريد أن نكون أنفسنا في عالم يضغط علينا كي نتشابه، وأن نحافظ على حريَّتنا من دون أن نهرب من مسؤوليَّتها، وأن نحبّ من دون أن نحوِّل الآخر إلى ضمانة ضدّ وحدتنا، وأن نبحث عن اليقين من دون أن نغلق أبواب الشكّ. نريد أن نعيش اللَّحظة، لكنَّنا نراقب انقضاءها، نريد أن نفهم الحياة، لكنَّنا نكتشف أنَّ فهمها لها لا يعفينا من عيش مرارتها، ونريد أن نطمئن فيما يظلّ الوعي مفتوحًا على احتمالاتٍ من القلق لا تنتهي. وقد تكون مُعاناتنا المعاصرة أنَّنا نطالب أنفسنا بالوضوح الدائم في عالمٍ لا يكفّ عن التَّلوُّن، وبالسعادة المُستمرَّة في حياة تتناوب فيها الخسائر، واليقين في تجربة لا تمنحنا ضمانات نهائيَّة. نحاكم ذواتنا لأنَّها تتعب، ونُعِدُّ حيرتها عجزًا، ونخلط بين التوقُّف للاستراحة والاستسلام، وبين الاعتراف بالهشاشة والهزيمة.
يتبع ….




















































