رحاب هاني خطّار الصفيّةُ الذّهن، والنقيّةُ الوجدان، لم تَحلَّ مِئزرَ حِبرِها إلّا للسَّلِسِ من الخواطر، فبأيِّ عِشرةٍ عطريّةٍ كانت تتكلّمُ لتهزَّ إحساساتِنا، وتؤثِّرَعميقًا في مشاعرنا ؟ لقد حاكَتْ ” رِحابُ ” رِحابَ الحياةِ التي هي، كلَّ يومٍ، في شأن، ولكنْ، بلا ضوضاء. وقد مَتَّعَتِ الأذواقَ، في جوِّ ديوانِها، بمزيجٍ من الشكّ واليقين، والهدى والضّلال، والغِيِّ والرّشد، والوَجع والفرح، بأسلوبٍ ربيعيٍّ ناضِج.
لقد ذاقَت ” رِحابُ ” طَعمَ النّار، ورُقَعَ الصّمت، وكَرْعاتِ الوجع، لكنّها لم تَستمرّ، أمامَ هذه، مقهورةً مكسورةَ الخاطر، لأنّها دأَبَت على لحظاتِ لقاءٍ بالصّلاةِ التي كانت كفالةَ خُبزِها الطّاهر.وبالصّلاة، لم تكنْ ” رِحابُ ” حالةً انزوائيّة في غزواتِ الشّدائد، ولم تفكَّ ارتباطَها بالبُعدِ الخَلّاقِ لِوَعيِها، ليُصادرَه الصَّمتُ فيتداعى،فارتدَت مزاجَ الحِبر، وضَخَّت، في أوراقِها، دعوةً مُغَلَّفةً بصلاةِ البراءة الرّاقية.إنّ أهميّةَ الصّلاة، في “خُطى العُبور “، أنّها شكّلَت وضعًا صَدمَويًّالأحزان مخزونةٍ في الأوردة، بحيث لم تُبِحْ لها الصّلاةُ الاستمرارَ في افتراسِ الضّحكاتِ، واغتيالِ الشّعور بالأمان.
لقد حملَ ديوانُ ” خُطى العُبور “زادَ القِيَمِ الزّاخِرِ بالخَصب، فانتشرَ، فوقَ الصّفحات، كَبَعثاتٍ مُنضِجَةٍ لتَفكيرٍ نَيِّر.لم تتستَّرْ ” رِحاب “، في تأمّلِها العميق، عن واقعِ حياتِها، فبالرّغم من هدوء نفسِها، ومتانةِ أخلاقها، ونَبرتِها الرّصينة، مارسَت رياضةً نقديّةً جعلَت القارئَ يشاركُها الشّكوى، وطبيعةَ الطّين، وتضميدَ الجراح، ولكنْ، ببعضِ المكافحة الجذّابة. ولمّا كان الشِّعرُ نسيجُه الذّات، فليس عَيبًا أن تكون ” الأَنا “، في الدّيوان،أكثرَ ظلالِ الشِّعر استِعذابًا لكلماتِه وصُوَرِه، ووَتَرًا يُتِمُّ الشِّعرُ، به، ترنيماتِه التي تُزَفُّ الى الدّهشة.
لقد تَعَقَّبَت ” رِحابُ ” وجدانَها، واخترقَت مَحافلَه، من دونِ الوقوفِ عندَ تُخومِه، وتجاوزَت صلاحيَّةَ وَصفِه الى تَفتيقِ مكنوناتِه، وأحدثَت بها احتكاكًا، فوسَّعَت زاويةَ جلاءِ غوامضِه، بدلًا من تقليصِها. وهكذا، انطوَت ” رِحابُ ” لوجدانِها على مودّة، فسَلَّمَ لها سِرَّه، وباتَ العزيزَ الذي يَهدي في الضّلال، ويروي في الظّمأ. وانتهَت صاحبةُ الديوان الى أنّ الوجدانَ هو تَقَصّي الذّاتِ عن وجودِها،وأنّ الافتقارَ إليه، هو كافتقارِ الأرضِ الى السَّحاب، فهل يُسَمّى القَحطُ وُجودًا ؟؟؟
إنّ ديوانَ ” رِحاب ” هو سياحةُ شاعرةٍ خفيفةِ الوطأة في وادي الحياة. وكانت صاحبتُه مندوبةً لحُسْنِ الهِندامِ في الكتابة، تلبسُ ثَوبَين : أناقةَ الجَمالِ، ورقّةَ المَشاعر، وهما فصلانِ يتتابعان،في ديوانها،ولا ينقسِمان، كصَوتِ النّاي.أمّا إيقاعاتُ ” رِحاب” فريشةُ رَسّامٍ يخلطُ من أنفاسِه ألوانًا، ومن نَبضِهِ خطوطًا، ومن مزاجِهِ أشكالًا، لتبدوَ كلُّ قصيدةٍ لوحةً كَلِفَةً بالإبداعِ الذي يفوحُ عَبَقُه، في أرجاء الدّيوان، ويقتربُ تأثيرُه من وَقار الصّلاة.
الذّاتُ، في ” خُطى العُبور “، في عصرٍ زاهرٍ، وفي عصرٍ فاتر. فهي ” الأُنثى ” المتمرِّدة المُتَحَدِّية التي تذكّرُنا بال ” ولّادة ” الثانية ” مَي زيادة”، في قدرتِها على العُبورِ من الانفعالِ الى التّفاعل، من ” طائرٍ مصلوبٍ ” الى ” نَصٍّ حَيّ “.وكأنّ، هناكَ، نوعًا من اندلاعِ النّزاع بين التّدهورِ النّفسي، أو ” الرّماد “، والجنوحِ الى العافية، بالمواجهةِ لتَطويعِ التّلاشي. وكأنّنا بالشّاعرة، بعد الصّدمة،واعتيادِها على لسعاتِ الحياة التي سَرقَت، منها، الابتسامات، لم تُرِدْ أن تستفيقَ إلّا بهَزٍّ من التمرّد، ففي هياكلِ القهرِ التي أَلهَبَتها طقوسُ الحزن، لم تُشارِك ” رِحاب ” في إحراقِ البخّور.
لبنان، في ” خُطى العُبور “، هو تَأمُّلٌ غيرُ مُصطَنَع. إنّه قضيّةوليس تمثالًأ وثنيًّا خاويًا يَسهلُ رَجْمُه، أو صَنَمًا يعيشُ صقيعَ الوحدة، لكنّه مبدأٌ له نصيبٌ من حقيقة الحياة. هو الجبّارُ الذي يتألّمُ ولا يُغلَب، ويَرى أنْ لا ظلامَ في الدّنيا، وإنّما الأَنظارُ الكليلة هي التي تَعجزُ عن رؤيةِ النّور.لقد بَدَت ” رِحاب “، مع قضيّةِ لبنان، دائمةَ الوجودِ في الخطوط الأماميّة، لأنّه ” في وجهِها فَخرٌ، وفي هويّتِها عِزّ “، وهي، في الدّفاع عنه ” ليسَت صفحةً مَطويّة “.
الأمُّ، في ” خُطى العُبور “، زهرةٌ باقيةٌ في قلب ” رِحاب “، لا يستطيعُ أحدٌ أن يقطفَها، وأن يُبَدِّدَ ” سِرَّ نكهةِ قهوتِها ” و ” رائحةَ خبزِها ” و ” جَمالَ خضرةِ عينيها ” … وهي رسالةُ محبّةٍأَمسَت بعيدة، لكنّ صورتَها النقيّة خالدةٌ في الضمير.لقد تعلَّمَت ” رِحاب”، منها، أن تُعلِنَ انشقاقَها عن الحزن، وألّا تتركَ روحَها مُمدَّدةً فوق جلجلةِ الألم، ومُعتَقَلَةً في اللَهيب … لقد تساوى الدِّفءُ والحنانُ في محبّةِ أمٍّ لم تُخلَقْ من قصيدةٍ تائهة، بل من عجينةِ سِحر،وهكذا، لم تنزعِ ” الإِبنةُ ” الى شكوى القَدَر، ولو غَلبَها، فالأشعّةُ، في النهاية، هي سليلةُ العَتمة.
إنّ ” رِحاب “، في ديوانها البِكر ” خُطى العُبور “، وإِنْ كانت ” تمشي، حافية، على جَمرِ الجُمَل “، لكنّ لهيبَ موهبتِها حوَّلَ سَقفَ شِعرِها الرّقيقَ الجَنَبات، مُقَبَّبًا بالعِبرةِ، والتّجربة، وخصوصًا، بالإحساسِ الذي انتقلَ الى المُتَلَقّي بعَدوىالتّأثير، ما جعلَ القارئَ يعتبرُ نفسَه مَشارِكًا في إنتاجِ القصائد، وهذه قيمةٌ مُضافَة.


















































