لا شك في أن غير جهة لبنانية تتمنى، ولعلها تعمل كذلك، على «قوننة» الفرز القائم حالياً. وهذا ليس سراً، أو لعله لم يعد سراً. إذ انتقل الكلام على صيَغ الفرز من «الهمس المكنون» الى العلانية، ليس فقط عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إنما من خلال شاشات التلفزة وأثير الإذاعات، وحتى على صفحات الجرائد. طبعاً، «الأسباب الموجبة» لهذه الطروحات باتت معروفة على نطاق واسع: من جهة تتذرع أطراف بأن الحياة أصبحت مستحيلة في ظل الانقسام العمودي بين الأفرقاء اللبنانيين، لدرجة أن الخلاف بينهم بات على كل شيء تقريباً، فليس ثمة التقاء حتى على النظرة الى الألوان الفاقعة التي لا يختلف اثنان عليها! وفي تقدير كثيرين أن حزب الله شطح بعيداً جداً في هيمنته على الدولة، بالتالي فهم لا يريدون أن يكونوا «رعايا» تحت وصاية الحزب، ولا يريدون أن يقرر الحزب مصائرهم حتى في القضايا الأساس مثل الحرب والسلم. وفي تقديرهم أن كل ما يبدو على الساحة اللبنانية ينذر بأن هذه الهيمنة قد تتراجع قليلاً، لتعود فتتنامى بشكل أو بآخر. ويضربون مثالاً على ذلك ليس بضبط كميات المتفجرات الأخيرة وحسب، ولكن كذلك بالأسلوب الفوقي جداً الذي تعامل به الحزب مع هذه المسألة، والتهديد والوعيد الى الدولة الخ… وثمة أفرقاء يقولون، ويرددون، ويكتبون أن الحزب أقام دولته كاملة الأوصاف بإداراتها، ومصارفها، وبنكها المركزي، ونظامها التربوي، وشرطتها، وأمنها الداخلي، ولا سيما جيشها النظامي(…) ومع ذلك فهو لم يكتفِ بذلك كله، إنما تمدد وبسط سلطته على الرعايا في باقي أجزاء الوطن؟!. وبالتالي لماذا يكون له هذا الامتياز الذي ليس لسواه الحق حتى في التفكير، مجرد التفكير، في الخروج من تحت هذه الوصاية.
وتأتيك أطراف من مختلف الأنحاء والأطياف اللبنانية تقول بالفيدرالية في إطار الوحدة، ولمجرد أن تلفظ كلمة «الفيدرالية» تُتهم بالانعزالية والتقسيم، ويبلغ الأمر الى حد توجيه تهمة الخيانة. في تقديرنا أن هذه الحال هي نتيجة المأزق الذي وصلنا إليه منذ الدور الذي أدته الوصاية السورية على لبنان، التي (تحت شعار الشعب الواحد ضمن بلدين) تعاطت مع شطر من هذا الشعب الواحد المزعوم على قاعدة تقوية فئة منه على حساب فئات أخرى، فعمقت الانقسامات والتمييز انطلاقاً من الولاء، حتى الانبطاح، أمام النظام في دمشق ووكلائه في بيروت، وهمشت الطيف المسيحي، بإقصاء الأكثرية الساحقة من قياداته لتفرخ قيادات معظمها هجين، سرعان ما توارت عن الساحة لمجرد انسحاب جيش النظام السوري من بلدنا المنكوب. ولكننا سرعان ما دخلنا في فقدان التوازن الوطني بشكل «طبشت» معه كفة الميزان على حساب أطراف، وليس طرفاً واحداً. ومع ما تقدم كله، يبقى في يقيننا أن اللبنانيين قادرون على استعادة وحدتهم على أساس نظام يقام على قاعدة المساواة والمكافأة والتملص من الإملاءات الخارجية التي عمرها، وأياً كانت، لم ترد الخير لهذا الوطن. فلقد عرف لبنان الكثير من المحَن والنكبات، وكان يطلع منها بتعزيز وحدته الوطنية، عندما يكون القرار لبنانياً داخلياً الى حدٍ ما. وما زلنا نذكر الكلام التاريخي للمغفور له الرئيس صائب سلام إثر أحداث 1958 التي اندلعت بقرار وتدخل من الخارج ، وكيف اندفع اللبنانيون الى احتضان بعضهم البعض، إذ قال أبو تمام: «أخاف على الناس من الاختناق لشدة العناق».

























































