التحذير الذي لم تسمعه العواصم الغربية: التداعيات المرتبطة بالهجرة
ثمة بُعد في هذه الأزمة لم تستوعبه الحكومات الأوروبية بعد — وهو البعد الذي ستشعر به بصورة مباشرة أكثر من سواه.
تعتمد اقتصادات مجلس التعاون الخليجي على عشرات الملايين من العمال الوافدين — من الهند وباكستان وبنغلادش، ومن لبنان وسائر بلاد المشرق، وهو أمر ذو دلالة خاصة لقارئ هذه الصحيفة. ويهدد الركود الممتد في الخليج — فضلاً عن الكساد الذي قد يسببه الإغلاق المزدوج للمضيقين — مصادر رزق هؤلاء الملايين في آن واحد. والتاريخ واضح: عندما تنكمش اقتصادات الخليج، تكون تحويلات العاملين إلى بلدانهم أول ما ينهار، ثم تبدأ حركة النزوح. ولن يندرج ضغط الهجرة الناتج من ذلك ضمن النمط المتوسطي المألوف المنطلق من بؤر نزاع محدودة؛ بل سيكون موجة مركبة تنطلق في وقت واحد من جنوب آسيا وشرق أفريقيا والمشرق، وتعبر دولَ العبور نحو أوروبا وأميركا الشمالية.
وتجعل سياسات الهجرة في الدول الأوروبية، التي صقلتها دورات انتخابية متعاقبة، هذا الملف بالغ الحساسية داخلياً. لذلك تمتلك الحكومات الغربية مصلحة وطنية مباشرة ومادية — لا إنسانية فحسب — في الحؤول دون الانهيار الاقتصادي لدول مجلس التعاون. وحتى الآن، غابت هذه المصلحة تقريباً عن النقاش العام، بينما ينبغي أن تكون في صميمه. والخلاصة السياسية غير مريحة لكنها لا مفر منها: على الدول الحريصة على حدودها أن تستثمر دبلوماسيتها في إعادة فتح المضيقين اللذين يحافظان على قابلية اقتصادات الخليج للاستمرار — ومعها مصادر رزق ثلاثين مليون عامل.
لماذا يجب أن تكون عُمان هي الوسيط
إذا كان التشخيص يستدعي تسوية شاملة — لا ممراً إضافياً — فإن السؤال يصبح: من يملك القدرة على جمع الأطراف؟ من بين جميع الوسطاء المحتملين، تحتل سلطنة عُمان موقعاً لا تستطيع أي دولة أخرى أن تضاهيه، لأسباب بنيوية لا بروتوكولية.
عُمان دولة ذات سيادة ومشاطئة للمضيق. وهي، إلى جانب إيران، إحدى الدولتين صاحبتَي السيادة الإقليمية على ضفتيه. لذلك لا يمكن لأي نظام عبور دائم أن يعمل من دون مسقط، ولا أن يُفرض عليها خلافاً لإرادتها. وهذا ينقل عُمان من موقع الميسّر إلى طرف أصيل في التفاوض، ويمنحها ثقلاً نوعياً يميزها عن أي وسيط غير مشاطئ، مهما بلغت خبرته.
عُمان وحدها تحظى بالثقة الثلاثية. فما زالت مسقط القناة الوحيدة التي تحظى في آن واحد بثقة واشنطن وطهران؛ وهي القناة التي مهّدت لاتصالات عام 2013، فأتاحت لاحقاً التوصل إلى الاتفاق النووي، وظلت قائمة رغم كل القطيعات اللاحقة، بما فيها هذه الحرب. وفي الوقت نفسه، تحتفظ عُمان بقنوات عمل هادئة مع قيادة أنصار الله في صنعاء، بعدما امتنعت عن الانضمام إلى التحالف الذي قادته السعودية في اليمن. ولا توجد دولة أخرى قادرة بمفردها على تغطية مسرحَي أزمة المضيقين التوأمين: موثوقة في الرياض، مجرَّبة لدى طهران، وذات صدقية في صنعاء.
عُمان بنت بالفعل الهيكل التمهيدي للحل. فمذكرة التفاهم الموقعة مع إيران في يونيو 2026 بشأن إدارة المضيق، واللجنة المشتركة الدائمة، ومقترحات الممرات المؤقتة وإزالة الألغام، إلى جانب مبادرة الآلية الإقليمية التي طُرحت في سبتمبر، تشكل أسساً عملية قابلة للبناء عليها، لا مجرد تطلعات.
النهج العُماني هو الأنسب لهذه اللحظة. فمبدأ الوساطة القائم على الابتعاد عن الأضواء، وعدم نسبة المبادرات إلى طرف بعينه، والحفاظ على أعلى درجات السرية — مع صياغة الحلول بما يمنع ظهور أي طرف في موقع المتراجع علناً — هو المنهج الوحيد القادر على صون الاعتبارات المتبادلة التي يتطلبها أي اتفاق بين هذه الأطراف. وتفضي المقارنات المفيدة، من استدامة نظام مونترو إلى هشاشة الممرات المؤقتة، إلى خلاصة واحدة: الاتفاقات التي تُبرم عند حافة الماء تفشل عندما لا يكون الماء هو جوهر النزاع.
الطرف الغائب: إشراك القطاع الخاص في المفاوضات
ثمة مقترح أخير تبلور في ممارسات الوساطة الحديثة، لكنه نادراً ما طُبِّق بهذا الحجم: القطاع الخاص ليس متفرجاً على هذه المفاوضات، بل طرف رئيسي غائب عنها.
تمتلك شركات الشحن الدولية الكبرى، وتجار الطاقة، وشركات التأمين وإعادة التأمين، ومشغلو الموانئ، معرفة تشغيلية دقيقة بإدارة حركة الملاحة والإنقاذ وهياكل التأمين وتنظيم العبور؛ وهي معرفة لا يمكن من دونها صياغة أي اتفاق واقعي لإدارة المضيقين. ولا تتوافر هذه الخبرة التفصيلية لدى الحكومات، ولذلك ستحتاج إلى الاستعانة بها.
وعلى نحو أكثر دقة، يمكن للهياكل التجارية أن تكون الأداة الأكثر فاعلية لحفظ ماء الوجه في هذه المفاوضات. فالمشروعات المشتركة، وآليات التمويل المشترك، والمؤتمرات التشاورية، تتيح لكل طرف أن يحقق مكاسب جوهرية مقابل تنازل رمزي؛ وهي المعادلة الأندر في هذا النوع من التفاوض. ويمكن ضمان المصالح الأميركية مؤسسياً من دون أن تبدو واشنطن في موقع القيادة المباشرة، وهو خط أحمر بالنسبة إلى طهران؛ كما يمكن مراعاة المصالح الإيرانية من دون أن يظهر ذلك بوصفه خضوعاً لها. وتُظهر سوابق حديثة، من بينها مسارا رواندا–جمهورية الكونغو الديمقراطية وأرمينيا–أذربيجان، قيمة ربط المفاوضات السياسية بحوافز اقتصادية ذات صدقية من خلال حوار اقتصادي منضبط بدقة.
وتتمتع السلطنة بموقع فريد يتيح لها الدعوة إلى مشاورات مع القطاع الخاص تحت رعاية عُمانية، لتكون الخطوة الأولى في مسار أشمل. ومن شأن هذه المبادرة أن تحظى بصدى عالمي، وأن توفر إسهاماً تقنياً فورياً، وأن تبني قنوات الربط التي يمكن عبرها لاحقاً تركيب عناصر التسوية.
الخيار الحاسم
البديل عن بناء هذه المنظومة هو الاستنزاف. والبديل عن طاولة تفاوض شاملة هو مسارات متوازية محكوم عليها بالفشل: مزيد من الممرات التي يُتفق عليها ثم تُنتهك، ومزيد من وقف إطلاق النار الذي يُعلن ثم ينهار، ومزيد من الاتفاقات التي تُبرم عند حافة الماء متجاهلة أن الماء ليس جوهر النزاع. وكل أسبوع من التأخير يحوّل الأزمة الاقتصادية إلى أزمة غذائية، ثم يحوّل الأزمة الغذائية إلى أزمة سياسية تمتد آثارها من صناديق الاقتراع الأوروبية إلى طوابير الخبز في الدول المعتمدة على الاستيراد. ومع تزايد ضحايا الحرب وتحول الحزن إلى مظالم متجذرة، تضيق أكثر فأكثر مساحة الدبلوماسية القائمة على المقايضات.
إن التسوية الشاملة التي تفرضها هذه الأزمة — عبر اتفاق تفاوضي واحد يتناول العبور والأمن والروابط الاقتصادية والملف اليمني والمواجهة الإقليمية الأعمق — تحتاج إلى جهة قادرة على جمع الأطراف، تمتلك نفوذ دولة مشاطئة، وتحظى بثقة جميع المعنيين، وتملك من السرية ما يسمح لكل طرف بحفظ ماء الوجه. ولا تنطبق هذه المواصفات إلا على دولة واحدة. والسؤال ليس ما إذا كان ينبغي لعُمان أن تدعو إلى التفاوض، بل إلى أي حد سيسمح العالم بأن تصبح كلفة التأخير أفدح.
ملاحظة بشأن المصادر: تستند تقديرات التداعيات الاقتصادية والإنسانية الواردة أعلاه إلى تعليقات مختصين وتحليلات خبراء للأزمة الجارية. وحيثما تكون الأرقام المتداولة توقعات منسوبة لا بيانات موثقة، ينبغي للقارئ التعامل معها بوصفها تحذيرات تستلزم التحقق من المصادر البحرية والتجارية والإنسانية الأولية؛ غير أن اتجاه المؤشرات جميعها يوحي بأن صانعي القرار لا يملكون ترف انتظار ذلك التحقق.




















































