أعترف بأنني أقف حزيناً وحائراً أمام هذا النزف الهائل الذي يسيل من شرايين لبنان واللبنانيين المنكوبين الذين شاءت أقدارهم وسوء الطالع ألّا يجدوا فترة راحة وأمان وطمأنينة ولو محدودة جداً في هذا الزمن الحديث من تاريخهم… لأنهم ما أن يخرجوا من حريق المشاكل والحروب والكوارث حتى يقعوا في أوارها مجدداً، وما إن يبدو لهم من الأمل بريق، ولو ضئيل، للخروج من الغرق في لجة البؤس والفقر وأيضاً الحروب، حتى يكتشفوا أن الشاطئ ينأى بعيداً عن ذراع الغريق.
وأمام هول هذه المأساة الهائلة التي تعمّ لبنان كله، لا سيما أهلنا في الجنوب تحديداً، أعترف بأنني لا أستطيع أن أرى الى مجريات الأحداث وكأنها مرحلة وتعبر… فأنا لست ممن يراقبون هذا المشهد بدم بارد وهدوء كأنه «من طبيعة الحروب». أو بمنظار الذي يقف أمام شلال الدماء ولسان حاله: «يصطفلو … هنّي اللي حرّكو وكر الدبابير». أو بمعيار الشماتة الخ… ولا أيضاً بمنظار التنمر والهروب الى الأمام والغرق (وإغراق البلاد والعباد) أكثر فأكثر في هذا الأتون الملتهب، وعلى قاعدة: نحن ندافع، ونحن نصدّ، ونحن نواجه، ونحن المنتصرون، سنرتد عليكم بعد اكتمال انتصارنا…
هذان الخطابان الممجوجان الصادران من هنا وهناك لهما سلبيات مصيرية على الحاضر والمستقبل، ليس المجال، الآن، للكلام عليها، وهو سيكون كلاماً طويلاً جداً. لأنه، في تقديرنا، أن الجهد يجب أن ينصب كله وبالتوافق الوطني، لو في حده الأدنى في هذه المرحلة القاسية جداً، على البحث عن أي سبيل ووسيلة وطريقة لوقف شلال الدم، الذي بالرغم من غزارته لم يرتوِ منه، بعد، العدو المتوغل والمتغول، الذي سجّل ويسجل في وطننا أكثر أنواع الحروب بشاعةً ووحشية ولاأخلاقية وخروقاً لقواعد الحرب كلها.
إن مشاهد المجازر والإبادة والأرض المحروقة وتسوية المباني بالأرض الخ… ليست حرباً بل هي انموذج عن الوحش الفالت في الكيان المحتل الذي يجب أن يُلجَم… وإذا كان لجمه متعذراً في المواجهة أوليس إن الواجب الوطني يقتضي اللجوء الى أي وسيلة أخرى مُتاحة؟


















































