قراءة في تقاطُع الفلسفة الوجوديَّة والتَّحليل النَّفسي اللَّاكاني
الدكتور حسام نصَّار – باحث لبناني.
يتناول هذاالمقال إشكاليَّة الذَّات الإنسانيَّة في ضوءِ التَّوتر القائم بين حُرِّيَّة الاختيار كما صاغتها الفلسفة الوجوديَّة، وخضوع الذَّات لبُنية اللَّغة كما بلورها التَّحليل النَّفسي اللَّاكاني.انطلاقًا من فرضيَّة أنَّ الذَّات ليست كيانًا مُتماسِكًا ومُستقلًا، بل هي حصيلة تفاعُل مُعقَّد بين الوعي واللَّاوعي، وبين الإرادة والبُنى الرَّمزيَّة الَّتي تُشكِّلها. وتهدف إلى الكشف عن إمكانيَّة التَّوفيق أو التَّعارض بين هذين المنظورين، عبر تحليل أفاهيم الحُرِّيَّة، الرَّغبة، اللُّغة، الآخر، وغيرها.
شكَّلت مسألة الحُرِّيَّة أحد أبرز محاور الفكر الفلسفي الحديث، حيث بلغ ذروته مع الفلسفة الوجوديَّة الَّتي أكَّدت أنَّ الإنسان محكوم عليه بالحُرِّيَّة. في المُقابِل، قدَّم التَّحليل النَّفسي؛ وخصوصًا في صيغته اللَّاكانيَّة، نقدًا جذريًّا لفكرة الذَّات الشَّفافة لنفسها، مُعتبرًا أنَّ الذَّات مُنقسمة ومشروطة ببُنية اللُّغة. من هُنا، تبرز الإشكاليَّة المركزيَّة، ألا وهي: هل الذَّات فاعل حُرّ يختار مصيره، أم أنَّها نِتاج بُنية رمزيَّة تسبقها وتحدِّدها؟
يرى جان بول سارتر أنَّ الإنسان “محكوم عليه بالحُرِّيَّة”، بمعنى أنَّه لا يمتلك جوهرًا سابقًا لوجوده، بل يصنع ذاته عبر أفعاله واختياراته. فالحُرِّيَّة هُنا ليست امتيازًا، بل عبء وجودي يضع الإنسان أمام مسؤوليَّة دائمة.وتتأسَّس هذه الرُّؤية على نفي الحتميَّات الميتافيزيقيَّة أو البيولوجيَّة، بحيث تُصبِح الذَّات مشروعًا مفتوحًا، لا تحدّه سوى اختياراته. غير أنَّ هذه الحُرِّيَّة المُطلقة تطرح إشكالات عدة، أبرزها: هل يُمكِن للذَّات أن تختار بمعزل عن أي شروط سابقة؟ وهل الوعي كافٍ لتفسير أفعال الإنسان؟
هُنا يأتي جاك لاكان ليقوِّض فكرة الذَّات المُتماسِكة، مؤكِّدًا أن “اللَّاوعي مُنظَّم كبُنية لُغويَّة”. فالذَّات؛ وفقًا له، لا تسبق اللُّغة، بل تتشكَّل داخلها، ومن خلالِها. هذا ويُميِّز لاكان بين ثلاثة أنظمة، وهي: المُتخيَّل والرَّمزي والواقعي، حيث يُشكِّلالرَّمزي فضاء اللُّغة والقانون، وهو الَّذي يُخضِع الذَّات لشبكة من الدَّلالات الَّتي لا تتحكَّم بها. ففي هذا السِّياق تُصبِح الرَّغبة ليست تعبيرًا عن إرادة حُرَّة، بل صدًى لرغبةالآخر. فالإنسان لا يرغب بما يريد، بل بما يُراد له أن يرغب به داخل البُنية الرَّمزيَّة.
يبدو للوهلة الأُولى أنَّ هناك تعارُضًا جذريًّا بين الطَّرحين، فالوجوديَّة تؤكِّد حُرِّيَّة الذَّات واستقلالها، بينما تكشِف اللَّاكانيَّة عن خضوع الذَّات لبُنى لاواعية ولُغويَّة. غير أنَّ هذا التَّعارض قد يخفي إمكانيَّة للتَّكامُل. بمعنى، إذا كانت الحُرِّيَّة عند سارتر تنبع من غياب الجوهر، فإنَّ لاكان يكشف أنَّ هذا الفراغ ذاته هو ما تملؤه اللُّغة. فالذَّات حُرَّة، لكن ضمن شروط؛ تختار، لكن داخل شبكة رمزيَّة. وعليه، يُمكِن القول بأنَّ الحُرِّيَّة هُنا ليست مُطلقة، بلحُرِّيَّة مؤطَّرة؛ إذا جاز التَّعبير،بحيث تُمارِس الذَّات قُدرتها على الاختيار داخل حدود اللُّغة والرَّغبة واللَّاوعي.
غير أنَّ الجمع بين هذين المنظورين يُفضي إلى تصوُّر رُبَّما أكثر تعقيدًا للذَّات. ألا وهو أنَّ الذَّات الواعية تسعى إلى تحقيق مشروعها، فيما الذَّات اللَّاواعية مشروطة ببُنية لُغويَّة ورمزيَّة. هذا التَّصوُّر لا يُلغي الحُرِّيَّة، بل يُعيد تعريفها بوصفها قدرةٌ تتموقَع وتتموضَع داخل البُنية،ولا تتحرَّر منها كُليًّا. فالإنسان لا يختار من فراغ، بل من داخلِ تاريخٍ لُغويّ ونفسيّ يسبقه.
يُظهِر هذا الموضوع؛ باختصار، أنَّ الذَّات ليست كيانًا بسيطًا يُمكِن اختزاله في الحُرِّيَّة أو الحتميَّة، بل هي نقطة تقاطُع بين الإثنين. فبينما تمنحها الفلسفة الوجوديَّة أفق الاختيار والمسؤوليَّة، يكشف التَّحليل النَّفسي اللَّاكاني حدود هذا الأفق. وبذلك، فإنَّ فَهم الذَّات يتطلَّب تجاوز الثُّنائيَّات التقليديَّة، والانفتاح على مُقاربة تركيبيَّة ترى في اللإنسان كائنًا حُرَّا داخل اللُّغة.
ويبقى السؤال: إذا كانت الذَّات مشروع اختيار عند ساتر، لكنَّها في الآنِ نفسه مُنتَجَة داخل بُنية لُغويَّة تُشكِّل رغبتها كما يرى لاكان، فهل الحُرِّيَّة فعلٌ أصيل أم أثرٌ لوهمٍ بُنيويّ؟
الكلمات المفتاحيَّة: الذَّات، الحُرِّيَّة، اللُّغة، الرَّغبَة، اللَّاوعي، الفلسفة الوجوديَّة، التَّحليل النَّفسي اللَّاكاني.
المصادر والمراجع:
1- جان بول سارتر، الوجود والعدم بحث في الأنطولوجيا الظاهراتيَّة، ترجمة، عبد الرحمن بدوي، بيروت، دار الآداب، 1984م.
2- جان بول سارتر، الوجوديَّة نزعة إنسانيَّة، ترجمة، عبد الرحمن بدوي، بيروت، دار الآداب، 1964م.
3- جاك لاكان، الكتابات، ترجمة، مصطفى صفوان، بيروت، دار الطليعة، 1985م.
4- جاك لاكان، المفاهيم الأربعة الأساسيَّة للتحليل النفسي، ترجمة، جورج طرابيشي، بيروت، دار الطليعة، 1990م.




























































