تعطل الملاحة في مضيق هرمز بسبب الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى أدى إلى اضطراب في أسواق الطاقة وارتفاع أسعار النفط. إيران تستخدم مضيق هرمز لتعطيل الملاحة عبر زوارق مسيرة وألغام بحرية. الولايات المتحدة تسعى لفتح المضيق عسكرياً بمساعدة تحالف دولي، لكن المهمة معقدة بسبب الطبيعة الجغرافية والتهديدات الإيرانية.
أدّى تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز في ظل الحرب المشتعلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، إلى اضطراب حاد في أسواق الطاقة وقفزة في أسعار النفط، إثر توقف جزء من الإمدادات العالمية.
ورغم امتلاك الولايات المتحدة قدرات عسكرية ضخمة قد تمكّنها نظرياً من إعادة فتح المضيق، فإن طبيعته الجغرافية والتهديدات العسكرية التي يمكن لإيران استخدامها تجعل المهمة شديدة التعقيد. كما أن أي محاولة لفتح المضيق بالقوة قد تتطلب تحالفاً دولياً واسعاً لم تتبلور ملامحه بعد.
فما الوسائل العسكرية التي يمكن أن تلجأ إليها واشنطن لاستئناف الملاحة في هذا الممر البحري الحيوي؟ وما التحديات التي تعترض هذه المهمة؟
“هرمز”.. ممر حيوي بطبيعة جغرافية معقدة
يقع مضيق هرمز بين إيران من الشمال وسلطنة عُمان من الجنوب، وهو ممر بحري ضيق يربط الخليج العربي بخليج عُمان والمحيط الهندي، ويُعد أحد أهم نقاط الاختناق في تجارة الطاقة العالمية. إذ يمر عبره عادة نحو خُمس إمدادات النفط المنقولة بحراً، ما يجعله شرياناً حيوياً لأسواق الطاقة العالمية.
يبلغ عرض المضيق نحو 29 ميلاً بحرياً (54 كيلومتراً) في أضيق نقطة منه، ويتكوّن من ممرين ملاحيين صالحين للملاحة بعرض ميلين بحريين (3.7 كيلومترات) لكل منهما، أحدهما مخصص للسفن الداخلة والآخر للسفن الخارجة، يفصل بينهما منطقة عازلة بعرض ميلين بحريين. ويبلغ عمق المياه في أضيق نقطة نحو 200 قدم.
هذه الخصائص الجغرافية تمنح إيران قدرة كبيرة على تعطيل الملاحة. فالممرات الضيقة تجعل السفن أهدافاً سهلة للصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة، كما أن المياه الضحلة تسهّل زرع الألغام البحرية.
وخلال الحرب الحالية، استهدفت إيران عدداً من السفن التجارية وناقلات النفط، كما وردت تقارير عن احتمال لجوء طهران إلى زرع ألغام بحرية، ما دفع بعض شركات التأمين لوقف التغطية للسفن التي تعبر المضيق.
كيف يمكن لإيران أن تغلق مضيق هرمز؟
تمتلك إيران مجموعة من الخيارات في المضيق، إذ يمكنها تعقيد عبور السفن عبر الممر المائي، أو اتخاذ خطوات لإغلاقه بالكامل، كالآتي:
المضايقات: يمكن لزوارق الحرس الثوري والطائرات المسيرة أن تحاصر السفن التجارية وتضايقها، سواء بملاحقتها أو إجراء مناورات خطرة. أو يمكنها التصعيد عبر فرض طوق أمني، والتهديد باعتلاء السفن وإجراء عمليات تفتيش طويلة، كما فعلت في السابق.
الهجمات: الضربات المباشرة، سواء من الزوارق أو الطائرات المسيرة أو الصواريخ المضادة للسفن، ستحد أكثر من حركة الملاحة، وقد تمتد لتشمل السفن الحربية الأميركية. وكانت هجمات الحوثيين في البحر الأحمر أدت إلى تقليص الحركة التجارية وزيادة التكاليف والمخاطر على الجيش الأميركي، ويمكن لإيران اتباع نهج مماثل في المضيق.
الإغلاق الفعلي: يمكن لإيران استخدام السفن لسد الممر المائي، سواء عبر طوق من زوارق الحرس الثوري، أو وضع عوائق مادية بسفن ضخمة يصعب تحريكها، على غرار ما فعلته سفينة “إيفر غيفن” التي أغلقت قناة السويس لمدة ستة أيام عام 2021. إلا أن إغلاق المضيق بجسم ثابت سيعيق أيضاً حرية المناورة الخاصة بإيران.
الألغام: يمكن لإيران زراعة الألغام في المضيق، ما يجعل مرور السفن التجارية والسفن الحربية الأميركية محفوفاً بمخاطر كبيرة. لكن هذا أيضاً سيقيّد قدرة إيران على المناورة.
ما هي الوسائل العسكرية التي قد تلجأ إليها واشنطن لفتح المضيق؟
يمكن للولايات المتحدة نظرياً إعادة فتح مضيق هرمز عسكرياً عبر مزيج من العمليات البحرية والجوية لحماية الملاحة وإزالة التهديدات.
قد تبدأ العملية بإزالة الألغام البحرية أو تدمير القدرة على زرعها عبر استهداف سفن إيرانية يشتبه في أنها تُستخدم لزرع الألغام قرب المضيق، إذ كانت قد أعلنت القيادة الأميركية الوسطى عن تدمير 16 سفينة متخصصة بزراعة الألغام الأسبوع الماضي.
وبعد تأمين الممرات، يمكن للبحرية الأميركية تنظيم مرافقة عسكرية لناقلات النفط والسفن التجارية عبر قوافل بحرية تحميها مدمرات وسفن حربية، على غرار عملية “إرنست ويل” في الثمانينيات. 796.672px;”أكبر سفينة حربية في العالم، ‘يو إس إس جيرالد آر. فورد’
كما قد يتطلب تأمين الملاحة نشر قوة بحرية وجوية أكبر في المنطقة لرصد الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق السريعة التي قد تستهدف السفن.
ما العراقيل التي تعترض فتح المضيق عسكرياً؟
إعادة فتح مضيق هرمز عسكرياً مهمة شديدة التعقيد حتى بالنسبة لقوة كبرى مثل الولايات المتحدة، إذ يرى خبراء أن إعداد خطة فعالة قد يستغرق أسابيع أو حتى عدة أشهر، بحسب صحيفة “وول ستريت جورنال”.
وحتى خيار مرافقة ناقلات النفط بقوافل بحرية يحمل مخاطر، إذ إن اقتراب السفن الحربية الأميركية من السواحل الإيرانية قد يجعلها عرضة للألغام أو لهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ المضادة للسفن المنطلقة من البر.
إلى ذلك، تتطلب مرافقة ناقلات النفط تنسيقاً معقداً بين السفن الحربية والطائرات وأنظمة المراقبة، فيما يترك ضيق الممر البحري مساحة محدودة للمناورة وقد يخلق نقاطاً عمياء للسفن الحربية التي تحمي الناقلات، بحسب تقرير لـ”سي أن أن”.
كما أن قرب الأسلحة الإيرانية من الساحل يعني أن زمن الاستجابة سيكون قصيراً للغاية، ما يستدعي انتشار مروحيات وطائرات هجومية وطائرات إنذار مبكر (أواكس) وطائرات استطلاع مسيّرة
يمكن تقليص التهديدات التي تواجه مهام مرافقة السفن عبر استخدام القوة الجوية أو تنفيذ توغلات برية للسيطرة على المناطق التي قد تُطلق منها الهجمات، غير أن ذلك يطرح مشكلات جديدة، من بينها احتمال تكبد القوات البرية الأميركية خسائر بشرية كبيرة، بحسب المحللين الذين نقلت عنهم “سي أن أن”.
وتزداد صعوبة مهمة فتح المضيق في حال زرع ألغام بحرية في الممر المائي، إذ لا يمكن تطهير المضيق عبر القصف الجوي أو هجمات المدمرات وحدها، لأن إيران تعتمد على شبكة من الأدوات تشمل الألغام البحرية والزوارق السريعة والصواريخ والطائرات المسيّرة، ما يشكّل منظومة تهديد متكاملة. كما أن اكتشاف الألغام وإزالتها عملية بطيئة ومحفوفة بالمخاطر بطبيعتها.
وتشير تقديرات إلى أن إيران تمتلك نحو 6000 لغم بحري، بحسب “وول ستريت جورنال” يمكن تثبيت بعضها في قاع البحر أو تثبيتها تحت سطح الماء أو حتى ربطها بالسفن، كما يمكن نشرها ليس فقط عبر سفن متخصصة بل أيضاً باستخدام قوارب صغيرة أو غواصات، ما يعني أن تدمير بعض سفن زرع الألغام لن يقضي على التهديد بالكامل.
ولدى إيران أنواع مختلفة من الألغام البحرية، بعضها بدائي وأخرى أكثر تطوراً، يمكن نشرها تحت سطح الماء مباشرة أو تثبيتها في قاع البحر وتفجيرها على أعماق تصل إلى نحو 50 متراً، ومن بينها لغم “ماهم-3” المزوّد بحساسات مغناطيسية وصوتية تسمح بتفجيره دون تماس مباشر مع السفن، بحسب “الغارديان”. المزيد في الفيديو أدناه:
هل تستطيع الولايات المتحدة أن تفتح المضيق وحدها؟
مرافقة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز تتطلب أعداداً كبيرة من القطع البحرية قد يصعب على الولايات المتحدة توفيرها بمفردها. فبحسب تقرير لـ”لويدز ليست إنتليجنس”، قد تتطلب عملية المرافقة البحرية ما بين ثماني إلى عشر مدمرات لحماية قوافل تضم ما بين خمس وعشر سفن تجارية في كل عبور.
في غضون ذلك، يعمل ترمب على تشكيل تحالف متعدد الجنسيات لإعادة فتح مضيق هرمز.
وكتب في منشور على منصته للتواصل الاجتماعي “تروث سوشيال”، السبت، أن الولايات المتحدة وعدة دول أخرى سترسل سفناً حربية إلى الخليج لإعادة فتح الممر الملاحي التجاري، ودعا الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية وبريطانيا إلى المساعدة.
كما حذّر حلف شمال الأطلسي (الناتو) من مواجهة “مستقبل سيء للغاية” إذا لم يقدم الحلفاء المساعدة للولايات المتحدة في جهودها لفتح مضيق هرمز.
ما هي حظوظ تشكيل حلف دولي لفتح المضيق؟
جاءت الاستجابة الدولية لدعوة ترمب للدول المستفيدة من النفط العابر عبر مضيق هرمز للمشاركة في إعادة فتحه حذرة ومتباينة.
أعلنت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي أن طوكيو لا تعتزم حالياً إرسال سفن حربية لمرافقة السفن التجارية في الشرق الأوسط.
من جانبها، أشارت كوريا الجنوبية إلى أنها تدرس الموضوع بعناية. أما في بريطانيا، فذكرت صحيفة “التلغراف” أن رئيس الوزراء كير ستارمر يبحث إرسال آلاف الطائرات المسيّرة الاعتراضية إلى الشرق الأوسط لتعزيز الدفاعات البريطانية في المنطقة.
وعلى المستوى الأوروبي، قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد كايا كالاس إنها تشجع الدول الأعضاء على إعادة توجيه المهمة البحرية للتكتل في البحر الأحمر إلى المساعدة في استئناف صادرات النفط والغاز عبر مضيق هرمز
من جهتها، قالت الصين إنها على تواصل مع جميع الأطراف بشأن الوضع في المضيق، مجددة الدعوة إلى خفض التصعيد في الشرق الأوسط دون الإشارة إلى أي مشاركة عسكرية مباشرة في فتح المضيق بالقوة أو غيره.
وأعرب ترمب عن استيائه من عدم تجاوب الدول التي يعتمد اقتصادها على المضيق مع الدعوة الأميركية للمساعدة في تأمينه، مؤكداً أنه كان “يعلم أن بعض الدول التي ساعدتها واشنطن وحمتها لفترة طويلة ستخذلها”.
وذكّر أن الولايات المتحدة تحصل على أقل من 1% من النفط عبر المضيق، مُقارنةً بدول مثل اليابان التي تحصل على 95%، والصين بنسبة 90%، وكوريا الجنوبية بنسبة 35%، مؤكداً ضرورة أن تساعد هذه الدول في تأمينه.




























































