لا تتجاوز مساحة تايوان 36 ألف كيلومتراً مربعاً، أي ما يعادل مساحة هولندا أو أقل من 2% من مساحة السعودية. ومع ذلك، فهي مثال واضح لقدرة دولة متقدمة على توظيف مواردها المالية لحماية أحد أهم مراكز صناعة الرقائق وأشباه الموصلات في العالم من تداعيات أزمة الطاقة المترتبة على حرب إيران.
أما الوجه الآخر لهذه الحقيقة، فهو أن هامشاً محدوداً للخطأ هو ما يفصل بين صلابة سلاسل الإمداد التكنولوجية للجزيرة وصدمة صناعية عالمية يصعب احتواؤها. فتايوان، والتي تنعم بأحد أكبر اقتصادات العالم (أقل من تريليون دولار بقليل بحسب تقديرات صندوق النقد الدولي)، دخلت أسوأ أزمة طاقة في التاريخ بمخزون من الغاز لا يكفي سوى لأيام معدودة، إلا أنها استطاعت حتى الآن التعامل معها بشكل جنبها أي انقطاع كهربائي يضر بريادتها في مجال صناعة الرقائق وأشباه الموصلات الحيوية للاقتصاد العالمي.
الوصفة لم تكن التخزين ولا ترشيد الطلب، بل قوة مالية قادرة على جلب الغاز المسال بالسرعة اللازمة لاستمرار عمل محطات توليد الكهرباء، بالرغم من الصعود الصاروخي لسعر هذا الوقود في السوق الفورية الآسيوي حيث تجاوز 25 دولار، مقابل 10 دولار قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط).
هامش لا يحتمل الخطأ
وتستند قدرة تايوان على دفع علاوة الحرب إلى مركز مالي قوي بصورة استثنائية. فقد بلغت احتياطاتها من النقد الأجنبي 597.2 مليار دولار بنهاية يونيو، بحسب بيانات البنك المركزي، فيما سجل الحساب الجاري فائضاً قدره 181.1 مليار دولار في 2025، أي أقل بقليل من خمس الناتج المحلي الإجمالي. زد على ذلك انخفاض مستوى الدين، وهو ما يمنح الجزيرة تصنيفاً ائتمانياً قوياً.
ابداية الحرب، كانت قطر تنافس أستراليا على صفة المورّد الأول للغاز لتايوان، مع استحواذ كل منهما على نحو ثلث امدادها من الغاز المسال و هو الوقود الذي تعتمد عليه الجزيرة لتوليد أكثر من 42 % من احتياجاتها الكهربائية، فيما يأتي الفحم، الذي تسورده هو الآخر، ثانيا (39%)، تليه المصادر المتجددة و مصادر أخرى.
يوضح هذا الاعتماد الكبير على الاستيراد انكشاف تايوان على اضطراب الامدادات. يزيد من من حدة هذا الانكشاف هامش تخزيني هو الأضيق في شمال شرق آسيا: فبينما بنت الجزيرة مخزوناً نفطياً يغطي أشهراً، لا يتجاوز احتياطيها من الغاز المسال 12 يوماً من الاستهلاك، مقابل نحو ثلاثة أسابيع لليابان وشهر لكوريا الجنوبية.ء
وتشرح آن-صوفي كوربو، الباحثة في مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، أن ضعف المخزونات من الغاز في اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان مرده “أسباب جيولوجية بحتة، فهي لا تملك ما تملكه دول مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين و معظم دول أوروبا من حقول مستنفدة أو طبقات جوفية لتخزين الغاز تحت الأرض، و لذا يتعين عليها الاستعانة بالخزانات السطحية” لتخزين الشحنات المسالة بانتظار تغويزها قبل حقنها في شبكة الغاز.
أميركا أولاً
ومع وقف للغاز الأميركي الإنتاج في مجمّع رأس لفان بفعل الهجمات الإيرانية، تحولت تايوان الى مشتر نشط ليحلّ محل القطري على رأس قائمة الموردين للمرة الأولى في شهر أبريل، بحسب بيانات الجمارك التايوانية.
و في حين لم يكشف عن أسعار الشراء الشحنات، غير أن أسعار السوق الفورية للغاز المسال يتراوح حاليا بين 20 و 22 دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية بحسب معلومات بلومبرغ, أي ضعف ما كانت عليه قبل الحرب.
و تقول كوربو أن تايوان، كما هي الحال بالنسبة لليابان وكوريا الجنوبية، تملك إمكانيات مالية تجعلها “أقدر على الحصول على شحنات مرتفعة الأسعار”، خلافاً لدول تواجه مشاكل تمويل كباكستان وبنغلاديشالتي اضطرت إلى تقنين الوقود و الكهرباء ووقف العمل ببعض المصانع.
سيناريو كارثي
إلَا أن سيناريو كهذا قد يعتبر بمثابة الكارثة لاقتصاد تايوان، ومشكلة يصعب حلها بسرعة للاقتصاد العالمي. حيث يشكل قطاع أشباه الموصلات بقيادة شركة “تي إس إم سي” نحو خُمس الناتج المحلي الإجمالي للجزيرة. كما تستحوذ الشركة على نحو 70% من السوق العالمية لتصنيع الرقائق التي تصممها شركات مثل انفيديا.
أمن تايوان من الغاز، إذاً، ليس أولوية محلية فقط، لكنه مهم للاقتصاد العالمي أيضاً. فصندوق النقد الدولي ذكر في تقرير صادر في شهر يوليو أن قدرة دول مثل تايوان وكوريا الجنوبية وماليزيا وتايلاند على تحقيق معدلات نمو مفاجئة في الربع الأول، بفضل صادرات متعلقة بالذكاء الاصطناعي، ساهمت في تخفيف أثر حرب إيران على الناتج المحلي الإجمالي العالمي ككل.لية ليست خط دفاع تايوان الوحيد، إذ تسعى حاليا تايبيه الى رفع سعة التخزين إلى 24 يوماً سنة 2027 ، عبر زيادة محطات استقبال الغاز المسال.
على أن الأزمة، رغم كل هذه المصدات، قد تمنح الصين، والتي تسعى لإعادة فرض نفوذها السياسي والعسكري على الجزيرة، حجة لترويج هشاشة تايوان أمام أي حصار بحري …. لكن تلك قصة أخرى ليوم آخر.

























































