يردد رئيس الجمهورية، منذ أشهر، عبارة وجيزة وبسيطة، ولكنها تعبر فعلاً عما يجول في خاطر ووجدان كل لبناني: فعلاً، لقد تعبنا من الحروب. ونكاد ندعي أنه آن للمحاربين، أنفسهم، ان يرتاحوا من عبء الحروب وكوارثها وتداعياتها، ومن مشهد نهر الدماء الذي يجري على ارض الوطن، ولاسيما من قوافل الشهداء الأبرار الميامين الذين خسرهم كل بيت في لبنان على امتداد نصف قرن، فليس (في هذا اللبنان) ثمة عين لم تدمع، ولا قلب لم يتوجع، ناهيك بما اصاب هذا البلد من خسائر وكوارث في المجالات كلها والمقومات كافة والمرافق كلها.
فهل بيننا مَن يجهل او يتجاهل الى أين اوصلتنا الحروب؟ وأين كنا وأين اصبحنا بـ «فضل الحروب»؟ وكيف سقطنا من حيث كنا في ريادة المحيط والإقليم والمنطقة، واستقرينا في الذيل؟ وهل ثمة ضرورة للتذكير بأن الحروب سرقت منا انسانيتنا، واقتنصت دورنا كصحيفة المنطقة، ومطبعتها، ودور نشر نتاجها الأدبي والفكري عموماً، ومظلة الحرية فيها، ومدرستها، وجامعتها، ومعلّمها، ومطعمها، وفندقها، وموئل مفكريها لاسيما المضطَهدين منهم، ومرتع سيّاحها، وعنوان ازدهارها، والمدافع عنها في المحافل الأممية والدولية (…).
فماذا أبقت الحروب من ذلك كله سوى الحنين الى ذلك الزمن الذي نسميه بالجميل ولا نملك من هذه «النوستلجي» سوى الغصة والحرقة والبكاء على الأطلال.
ماذا ولم تفعله بنا الحروب؟ اي مصيبة لم تصبنا؟ وأي شرّ لم يحل بنا؟ وأي «ابن أوادم» لم يتمرجل علينا، حتى ولو كان، أصلاً، لا في العير ولا في النفير؟..
ونأذن لأنفسنا أن نقول إِن الذين يزعمون انهم لم يتعبوا من الحروب انما هم يكذبون، ليس على الآخرين وحسب انما هم يكذبون على انفسهم اولاً بأول. والمؤلم انهم يعرفون انهم يكذبون، ويعرفون اننا نعرف انهم يكذبون.
وبعد، وفي عود على بدء، نستغرب الذين ينتقدون قول الرئيس جوزاف عون ان اللبنانيين تعبوا من الحروب، وانهم يتوقون الى السلام، الذاتي-الداخلي، السلام الفعلي سلام الحق بالطمأنينة والأمن والأمان والطمأنينة وراحة البال…
لقد تعبنا من الحروب، ونقولها بالصوت العالي وبالفم المليان: لقد شبعنا حروباً، شبعناها حتى التخمة، وآن لنا ولأبنائنا ان نستطعم مذاق الراحة والأمان والطمأنينة، وان نوفر للأجيال الآتية وطناً يستحق شعبه ان ينعم بما هو ادنى الحقوق وأضعف الإيمان.





















































