بقلم : الأستاذ جورج شبلي
عندما يستهلّ الأستاذ بهجت رزق كتابه بطرح مفهوم العالميّة، وكيف تتبنّاها الأمم المتّحدة، فهو لا يخرج، فقط، من حدود المحليّة الضيّقة، إنّما يشيرُ الى المُشتَرك الإنسانيّ الذي يمسّ كلَّ فرد مهما كان، وأينما كان. وإذ يحرّكُ الأستاذ بهجت الأونيسكو، فلكي ينبّهها الى فعلها العالميّ الإلزاميّ الذي ينبغي أن يؤكّد على حيثيّات التّفاعل والتّلاقي والتّبادل، وهي مفاعيل الانفتاح الكونيّ الذي يشكّل الجسرَ الذي يطوفُ العالَم ويغمر الجميع.
ولمّا لم تكن حياةُ الناس ثوبًا مستَعارًا، وبالرّغم من أنّ الشرَّ فيها قليلُه كثير، غير أنّ الأيادي التي تُحبُّ أن تعملَ بفَتيقِ المسك، لتُفسدَ ذيوعَ الشّرور وإعصارَ الشّياطين، هي، وحدَها، تفرشُ لكلامِ الحقِّ طولَه، والحقُّ كالزّيت يطفو على الدّوام. والحقُّ، في كتاب الأستاذ بهجت، هو الذّاتُ الوطنيّة، أو الهويّة التي هي رئةُ الحريّات، ونشيدُ إنشادِ الكيان الجامعِ ذي الوجودِ السيّد، والذي له مَنْ يؤمنون به.
وأمامَ التّقسيط السّياسي الذي ينبري الكثيرون، في أمكنةِ العالَم، لشرح التّركيبة المُتشارَكة بما يشوّهُها، ينبِّهُ الأستاذ بهجت الى إلزاميّة التّأكيد على أنّ ” حياة ” الكيان مرهونةٌ بوجود الهويّة. لكنّ الهويّة بحاجة الى التّنقية، حتى يَعي الفردُ أنّها تعني سيادتَه وسيادة وطنِه، بعيدًا عن تشويهات السياسة، وهي ليسَت فُرجَة جماهيريّة طارئة، أو تفصيلًا مُتَكَلَّفًا. وعندما يتمّ هذا الوعي، أي الاستشعارُ بالهويّةِ الهِبة التي أُعطيناها، نجدُنا مدفوعين الى محاولة التغلّبِ على ما يُحطّمُنا في الانتماءِ إليها، ونستطيعُ أن نحقّقَ الانتصار.
في السياسة، مزجت الحروبُ الدمَّ بالدمّ، وأزالَت السّلامَ عن مقارِّه، وبطشَت بوجهِ العالَم فصار أَسْوَدَ الصّفحة. ولمّا لم يعدِ البشرُ يتصبّحون بالسّلامة مع كلّ شمس، كان لزامًا على مَنِ اتّخذوا المودّةَ خليقة، أن يكون السَّبقُ، معهم، لِنَصِّ بنود الشّرعة الدوليّة، هذه التي تؤمِنُ بأنّ الأرضَ مجالٌ للسّلام بين الشّعوب. وهكذا، كانت وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهي أعظمُ إنجازات الأزمنة في فُرَصِ السّلام، وقد تولّى العباقرةُ تدبيجَها ومراجعتَها، فدُمِغَت بفكرةِ السّلام، وخُتِمَت بحبرِ السّلامة.
الأستاذ بهجت رزق يدعو الى إسقاطِ بنودِ شرعة حقوق الإنسان على المرتجى البشري. فالرَّجلُ، إذ يحفّزُ منظّمة الأمم على المَضِيِّ في تثبيتِ الشّرعة في بلاد النّاس، وهذا واجبُها ورأسُ أهدافها، وأعظمُ قِيَمِها، فلأنّه يؤمنُ بمكانة الفرد المقدّسة، وبحماية حقيقته كإنسان. إنّ منظومةَ القِيَم تعملُ على ألّا يتحوّل الإنسان الى مجرّدِ رقمٍ مظلوم، كيفَ ذلك، والفردُ، مع الأستاذ بهجت، هو أصلُ السّلام والوحدة في الإنسانيّة، وهو ليس إعلانًا فوقَ حائط يُزالُ عند أوّلِ زخّة. إنّ الإنسانَ هو عقرُ دار فلسفة الاجتماع، وهو التّرتيباتُ التي تُشكّلُ نهجَها. أمّا الأستاذ بهجت السّوسيولوجي، المنحازُ الى الإنسان الذي يُثري ذاتَه والآخر، والمتمتِّعُ بِخَلقٍ فكريٍّ حرّ، فهويكرِزُ الطريقَ الى الوعي عندما يرى أنّ المشاركة السلميّة المتفاعلة مع التّراث الإنسانيّ الحَيّ، لا تتشكّلُ الّا بالمبادرة الخلّاقة المتراكمة مع المُشتَرك الكَوني.
أمّا الهويّةُ الثقافيّة العالميّة، والتي وثّقها ” هيرودوت ” في موسوعةٍ شكّلَت الجسر الإنسانيّ الأوّل بين زمن الأسطورة والتّدوين، فقد اعتبرها بعض السوسيولوجيّين بأنّها تُنتِجُ المعرفة الأصيلة لأنّها تمثّلُ النتيجة الحتميّة للتفاعل بين النّاس، لِذا، يتوجّبُ على كلِّ إنسانٍ أن يحصدَ من بَرَكاتها. لكنّ آخرين نبّهوا من النَّمذَجة أو التّنميط، وذلك حفاظًا على الخصوصيّة المحليّة الموجبة التي تصون التّراث. وفي هذا المجال، لَحَظَ الأستاذ بهجت المنتَمي الى طلائع الرقيّ، وبدقّة، وجودَ تبايناتٍ بين الأعراق، والمِلَل، والعقائد الإيديولوجية، واللغاتِ، والسّلوك… واعتبر أنّ هذا التّباين طبيعي، وبمقدورِه أن يُثري المجتمع البشري إِنْ مالَ النّاسُ الى الاقتناع بأنّ التّباينَ ظاهريّ لا يطاولُ الجوهر، فلا خوفَ، إذًا، على الحقيقة. أمّا إذا تشوَّشَ بالتعصّب، والضدّية، والتزمّت، فذلك يقودُ، حتمًا، الى تَهافتٍ انهياريّ وعدائيّةٍ اضطهاديّة تتساقطُ، قبالتَهما، القِيَم وتحصيلُ المعرفة.
لقد أشار الأستاذ بهجت رزق الى أهميّة الثقافيّة العالميّة التي تتبدّى في تَبَنّي القِيَم الإنسانيّة التي تُشكّل المُشتَرَك بين الجميع، مثل حقوق الإنسان، والحقّ في الحياة والعدالة والسّلام … بعيدًا عن أزمات السياسة ومناكفاتها، فالسياسةُ لا تُنَمِّقُ الظّلمة، ولا تقودُ الى تباشير الصّحوة وفرحِ التقدّم. وهكذا، بدا الأستاذ بهجت، في كتابه، مفكِّرًا نهضويًّا حدَّدَ نهجًا استمدَّ خيوطَه من هَديِ العقل، ومن ثقافةٍ غَنِمَ عن موائدِها فِكرًا يعتبرُ الثّقافةَ أساسًا لليقين، ومصدرًا للثّقة، وآلةً لتفكيكِ رموزِ الدّنيا، وسبيلًا الى الأمان.

























































