كشف تقرير لمعهد التمويل الدولي عن ارتفاع الدين العالمي إلى مستوى قياسي بلغ 365.5 تريليون دولار أميركي في النصف الأول من 2026، وسط توقعات بارتفاع الاقتراض مدعوماً بالإنفاق الحكومي وموجة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
أضاف العالم أكثر من 10 تريليونات دولار إلى رصيد ديونه خلال الأشهر الستة الأولى، بحسب تقرير المعهد الصادر يوم الأربعاء. قادت الأسواق الناشئة، وفي مقدمتها الصين، الزيادة بإضافة نحو 6.5 تريليون دولار، لترتفع مديونيتها إلى 110.6 تريليون دولار.
ومع ذلك، جاءت الزيادة في الدين أقل من نصف مستواها في الفترة نفسها من 2025، حين بلغت 21 تريليون دولار، بفعل أثر ارتفاع أسعار الفائدة وكلفة خدمة الدين وأسعار الطاقة، إلى جانب تداعيات حرب إيران، على شهية الجهات المصدرة للاقتراض.
إنفاق يصعب إيقافه
كان التباطؤ أكثر وضوحاً لدى المؤسسات المالية والأسر، وهما الأكثر تأثراً بأسعار الفائدة، لكن نمو الدين الإجمالي ظل أعلى من متوسط السنوات الخمس الماضية.
غير أن التقرير، الذي صدر تحت عنوان “مستقبل تموله الديون”، يرى أن تباطؤ نمو الدين لا يبدد دوافع الاقتراض على المدى الأطول. إذ يتوقع التقرير أن يبلغ الإنفاق العالمي على الصحة وأمن الطاقة والذكاء الاصطناعي وتقنية المعلومات والدفاع نحو 25 تريليون دولار هذا العام، بما يُعادل قرابة خُمس الناتج العالمي.
ويستند هذا الإنفاق بدرجة كبيرة إلى احتياجات مستمرة، وهو ما قد يجعله أقل تأثراً بتغير أسعار الفائدة. فالإنفاق على الصحة والدفاع يضيف مُباشرةً إلى أعباء الحكومات، فيما تدفع شيخوخة السكان تكاليف التقاعد إلى الارتفاع، وسط تحديات سياسية تعيق تغيير أنظمة الحماية الاجتماعية.
الاقتراض أسهل سياسياً من ضبط الإنفاق
لكن التقرير أشار أيضاً إلى لجوء الحكومات لرفع الإنفاق رغم المتانة النسبية لأسواق العمل بدلاً من توظيف السياسة المالية كأداة لدعم الاقتصاد أثناء الأزمات أو مع تباطؤ معدلات النمو.
يعني ذلك عملياً عالماً تصبح فيه عجوزات الموازنة المرتفعة بمثابة “واقع جديد”، بحسب التقرير. وأشار كاتبو الدراسة إلى غياب أية حوافز حقيقية لدى صانعي السياسات لمعالجة قضية ارتفاع الديون، وهو ما يزيد من صعوبة جهود ضبط المالية العامة.
ويرى المعهد أن فترة الانتخابات التي تمر بها عدد من الاقتصادات العالمية ومن بينها الولايات المتحدة قد تزيد من تلك الضغوط مع ارتفاع أسعار الفائدة.
فاتورة خدمة الدين إلى ارتفاع
تَظهر هذه الضغوط بالفعل في موازنات الاقتصادات المتقدمة. فمتوسط كلفة الاقتراض الحكومي في مجموعة السبع بلغ أعلى مستوياته منذ منتصف 2008، فيما ارتفعت مصروفات الفائدة السنوية بنحو 85%.
ودفعت الاقتصادات المتقدمة خلال الإثني عشر شهراً الماضية أكثر من 3.5 تريليون دولار فوائد على السندات الحكومية المتداولة دولياً وحدها، وهو مبلغ يفوق الإنفاق العالمي المقدر على الذكاء الاصطناعي البالغ 2.6 تريليون دولار، أو الدفاع عند 3.1 تريليون دولار، أو الطاقة عند 3.4 تريليون دولار.
الذكاء الاصطناعي لا يزاحم سندات الخزانة.. حتى الآن
في الولايات المتحدة، بلغت ديون الشركات غير المالية 24 تريليون دولار، بالتزامن مع تسجيل إصدارات سندات الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتيرة قياسية. كما تجاوزت حصة قروض الائتمان الخاص 5% من ديون الشركات الأميركية غير المالية، بعدما كانت نحو 1% في 2014، وإن ظلت تُمثل جزءاً محدوداً من الإجمالي.
وحتى الآن، يقول التقرير إن الأدلة على مزاحمة اقتراض شركات الذكاء الاصطناعي للتمويل الحكومي ما زالت محدودة. فحصة الشركات غير المالية من إصدارات السندات ظلت مستقرة إجمالاً، كما أن توجه شركات التكنولوجيا إلى آجال أطول، مقابل انخفاض متوسط أجل الإصدارات الأميركية الحكومية، حدّ من المنافسة المباشرة بينها. لكن تزايد المعروض من سندات الشركات طويلة الأجل قد يضيف ضغطاً على عوائد سندات الخزانة مستقبلاً.
استحقاقات قياسية يقابلها ظروف تمويل مواتية
تتزامن مستويات الدين المرتفعة مع استحقاقات ضخمة، إذ تُظهر بيانات التقرير أن الأسواق المتقدمة مطالبة بسداد أكثر من 12 تريليون دولار من أصل السندات والقروض خلال ما تبقى من 2026.
ومع ارتفاع تكلفة الاقتراض، تتجه الحكومات بصورة أكبر إلى التمويل قصير الأجل الأقل تكلفة، لكن ذلك يجعلها أكثر تأثراً بتحركات أسعار الفائدة عندما يحين موعد إعادة تمويل هذه الديون.
أما الأسواق الناشئة، فتواجه استحقاقات تتجاوز 3.5 تريليون دولار خلال ما تبقى من العام نفسه، بحسب بيانات التقرير.
ومع ذلك، يرى التقرير أن ظروف التمويل الخارجي لا تزال مواتية بصورة غير معتادة، تحديداً للأسواق الناشئة، بحسب التقرير، الذي لاحظ وتيرة قياسية في إصدارات سندات “اليوروبوند” السيادية بقيادة المكسيك، والسعودية، وبولندا، وتركيا، بحسب التقرير.
كما ساعد ضعف الدولار الأميركي واستمرار تجارة الفائدة (الاقتراض بالدولار لشراء أصول بعملات تدفع أسعار فائدة أعلى) في دعم الأصول المقومة بالعملات المحلية للأسواق الناشئة.























































