كثّفت شركات تكنولوجيا عالمية اعتمادها على الكوادر البشرية السعودية، بالتزامن مع بدء تشغيل مصانعها لإنتاج أجهزة تقنية وتكنولوجية وتطوير مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في السعودية، في محاولة للتغلب على عقبة نُدرة الكفاءات العاملة في هذا المجال، والتي سبق أن أشار لها صندوق النقد الدولي.
اعتبر مسؤولون في شركات عالمية، خلال مشاركاتهم في مؤتمر “ليب 2026” في العاصمة الرياض، أن العنصر البشري السعودي لم يعد مجرد محرك للطلب، بل بدأت تظهر له إسهامات ملموسة في تطوير وإنتاج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
تشير احصائيات الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي “سدايا” إلى تخرج أكثر من 80.3 ألف طالب في تخصصات مرتبطة بالتكنولوجيا بالمملكة، بينها علوم الحاسب وتقنية المعلومات، بين 2020 و2025. كما ارتفع تركّز مواهب الذكاء الاصطناعي في سوق العمل السعودية بمعدل سنوي مركب بلغ 13.1% بين 2020 و2024.
شارك أكثر من 100 مهندس وفني سعودي في إنتاج أول حاسوب محمول تصنعه “لينوفو” خارج الصين في مصنعها بالرياض، بعدما خضعوا للتدريب لمدة ستة أشهر في الصين، بحسب طارق العنقري، رئيس الشركة في منطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا.
يضم مصنع “لينوفو” في الرياض 4 خطوط إنتاج للحواسب المحمولة والخوادم وهواتف “موتورولا” وأجهزة الحاسوب المكتبية، وهو الوحيد خارج الصين الذي يجمع كل هذه المنتجات، وتسعى الشركة لتصدير الجزء الأكبر من إنتاجها إلى الأسواق الخارجية.
أما “آي بي إم” (IBM)، التي افتتحت مقرها الإقليمي في الرياض قبل عامين، فقد بلغت نسبة السعوديين أكثر من 70% من القوة العاملة في مُختبرها للبرمجيات الذي أطلقته في العاصمة السعودية بقيمة 250 مليون دولار، بحسب ما أوردته صحيفة “الشرق الأوسط” في تقرير سابق.
تُطوّر “آي بي إم” في المملكة أجزاءً من منتجاتها البرمجية التي يستخدمها عملاؤها حول العالم، بما يشمل مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والبيانات، في توسع لأعمال التطوير التي تنفذها الشركة من المملكة.
انتهت “مايكروسوفت” من تدريب أكثر من مليون سعودي ضمن مبادرة أطلقتها قبل عام ونصف لتدريب نحو 3 ملايين سعودي حتى 2030، بحسب تصريحات أيمن الغامدي، رئيس شركة “مايكروسوفت العربية” لـ”الشرق بلومبرغ”.
وقال الغامدي إن “الفترة الحالية أصبحت لا تقتصر على الأدوات، وهي هذا الجزء السهل، بل يجب أن يكون هناك تدريب وتمكين للمتدربين في سوق العمل حول كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير أعمالهم”.
على جانب آخر، تستعد “نوكيا” لتشغيل مركز للبحث والتطوير في الرياض، مع تدريب كوادر سعودية في مراكز الشركة الدولية للمشاركة في تطوير حلول لأتمتة شبكات الاتصالات باستخدام الذكاء الاصطناعي، للسوق السعودية والأسواق العالمية.
وستعتمد الشركة الفنلندية في مركزها على كوادر سعودية تتلقى التدريب في مراكز “نوكيا” الدولية قبل العمل في الرياض، وفق علي جيتاوي، رئيس الوحدة الإقليمية لـ”نوكيا” في السعودية.
وتعتزم الشركة توفير برامج تدريب متقدمة ومعسكرات تدريبية وشهادات في مجالي الذكاء الاصطناعي والأتمتة، إلى جانب وظائف في الهندسة والأبحاث، ضمن خطتها لتطوير برمجيات تحمل علامة “صنع في السعودية” وتُستخدم لدى عملائها حول العالم.
توفر استثمارات الشركات العالمية في المملكة أحد المسارات العملية لتوسيع قاعدة هذه المهارات، إذ لا تقتصر على التوظيف، بل تشمل التدريب ونقل الخبرات وإشراك الكوادر المحلية في تطوير منتجات وحلول موجهة إلى أسواق خارج المملكة.
بدورها، تستثمر “تنسنت كلاود” في الموارد البشرية المحلية، مستفيدة من سوق سريعة التبني للتقنيات الجديدة، فضلاً عن سوق للحوسبة السحابية تبلغ قيمتها نحو 5.5 مليار دولار، وفق تقديرات الشركة، ومن المتوقع أن تتضاعف بحلول 2031.
يظهر تداخل الإنتاج مع الطلب أيضاً في شراكة “أدوبي” مع “هيوماين”، التي تشمل تطوير نموذج لتوليد الصور يتناسب مع الثقافة السعودية، إلى جانب إتاحة أدوات إبداعية تتجاوز قيمتها 4 مليارات دولار مجاناً لأكثر من 27 مليون شخص في المملكة تبلغ أعمارهم 13 عاماً فأكثر، بحسب ما أعلنه الرئيس التنفيذي للشركة شانتانو ناراين على هامش “ليب”.
وتجيب هذه التطورات أيضاً على تحدٍ آخر نوه إليه صندوق النقد، يتمثل في عدم اليقين بشأن الطلب على المنتجات والخدمات التي تطورها الاستثمارات الجديدة في الذكاء الاصطناعي، وما إذا كانت هذه الاستثمارات ستحقق العوائد المتوقعة.
بذلك تتشكل في السعودية حلقة بين جانبي السوق: قاعدة مستخدمين شابة وسريعة التبني، وشركات عالمية بدأت تستخدم الكفاءات المحلية في إنتاج التكنولوجيا. لكن استمرار هذا التحول يعتمد على قدرة المملكة على زيادة عدد المتخصصين في الذكاء الاصطناعي بوتيرة تواكب توسع الاستثمارات، وهي النقطة التي يضعها صندوق النقد ضمن أبرز التحديات أمام الاستراتيجية.
المصدر:بلومبرغ الشرق



























































