ما وراء خط الطفو: اقتصاد يُفكَّك ببطء
بعد ستة أشهر على إغلاق مضيق هرمز، لا تزال الرواية السائدة في العواصم الغربية أسيرة المنظور العسكري: عدد الضربات، والطائرات المسيّرة التي جرى اعتراضها، وحجم الذخائر المستخدمة. غير أن ما تحجبه هذه الرواية هو أن ميدان المعركة الحاسم في هذه الحرب ليس المضيق نفسه، بل سلاسل الإمداد العالمية التي تعبره — وفي هذه الجبهة، بدأت الحرب تُخسر بالفعل.
يكمن الخطأ الذي يقع فيه صانعو السياسات والأسواق معاً في الخلط بين إشارات الأسعار والتوافر المادي. يمكن تهدئة أسواق العقود الآجلة بالخطاب؛ أما الجزيئات فلا. وقد يظل السعر الورقي للنفط، لأسابيع أو حتى لأشهر، عند مستوى مقبول سياسياً بفضل المخزونات والاحتياطيات الاستراتيجية والمراكز المضاربية. لكن برميلاً لم يُضخ لا يمكن استحضاره بالتداول. وعندما يظهر النقص الفعلي — وكل المؤشرات الكمية تدل على أنه سيظهر — سينهار السد الورقي، وسينهار من منسوب أعلى بكثير مما توحي به العناوين الصحافية.
ولنتأمل سلسلة التداعيات التي بدأت بالفعل.
الملاحة والتأمين. الثقة التجارية، لا البيانات الرسمية، هي التي تحدد ما إذا كان المضيق مفتوحاً فعلياً. فلا مالكو السفن ولا شركات تأمين ناقلات النفط الخام والمنتجات المكررة والغاز الطبيعي المسال مستعدون لتحمّل المخاطر التي تهدد هياكل بحرية تُقدَّر قيمتها بمئات الملايين. والضربات الدقيقة التي تستهدف غرف المحركات — فتحافظ على حياة الطواقم لكنها تشل السفن — تحقق عملياً أثر الغرق نفسه بكلفة أقل بكثير. كما أن ناقلات النفط العملاقة لا تُستبدل بسرعة؛ فالحاجة إلى أحواض متخصصة، ومحدودية الطاقة العالمية للأحواض الجافة، وطول مدد البناء، تعني أن كل سفينة تُفقد تسحب من السوق طاقة نقل لزمن يتجاوز بكثير مدة الأعمال القتالية.
المنتجات المكررة قبل النفط الخام. يأتي الديزل ووقود الطائرات، بصورة غير متناسبة، من مصافٍ مصممة لمعالجة الخامات الثقيلة ولا يمكن تحويلها بين ليلة وضحاها. وقد تجد اقتصادات غنية بالبنزين نفسها مع ذلك في طوابير للحصول على الديزل. وهذه ليست مضايقة هامشية؛ فكل ما يُنقل بالشاحنات — من الغذاء ومواد البناء إلى المعدات الطبية — يعتمد على الديزل. ويحذر محللون يتابعون الأزمة من احتمال بدء التقنين قبل نهاية العام، بما يحمله ذلك من اختلالات في توزيع الإمدادات الطارئة بين الزراعة والشحن والطيران والدفاع.
الغاز والألمنيوم والقاعدة الصناعية. تعني الأضرار التي لحقت بمنشآت تسييل الغاز في الخليج أن الإصلاح قد يستغرق من ثلاث إلى خمس سنوات. وبما أن صهر الألمنيوم لا يكون مجدياً اقتصادياً إلا حيث يتوافر الغاز بكثرة وبأسعار منخفضة، فإن تراجع إنتاج الخليج يمتد أثره إلى صناعة الطائرات والسيارات والبناء والمستلزمات الطبية. ولا يوجد احتياطي استراتيجي من الألمنيوم.
الهيليوم وأشباه الموصلات. يُعد الهيليوم — الضروري للطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية، وأجهزة المختبرات، والتصوير بالرنين المغناطيسي — من أقل المدخلات تحصيناً بالمخزون في الاقتصاد العالمي. وأي نقص ممتد فيه يقيّد مباشرة إنتاج الرقائق، بما ينعكس على طفرة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي التي تتعامل معها أسواق الأسهم الغربية كأنها مسار حتمي.
مهلة الأسمدة. هذه هي الساعة الأكثر صرامة في الأزمة كلها، لأن الزراعة تخضع للمواسم لا للبيانات الرسمية. ويمر مسارا الأسمدة الرئيسيان عبر الخليج: فالأسمدة النيتروجينية تعتمد على الغاز الطبيعي من خلال عملية هابر–بوش كثيفة الاستهلاك للطاقة، فيما تعتمد الأسمدة الفوسفاتية على حمض الكبريتيك، وهو بدوره منتج ثانوي لتكرير الخامات الكبريتية التي يعالجها الخليج. وإذا كان إعادة بناء سلسلة حمض الكبريتيك تستغرق بين اثني عشر وثمانية عشر شهراً، فهذا يعني ضياع موسم زراعي واحد أو أكثر؛ وموسم الزراعة الضائع ليس إنتاجاً مؤجلاً، بل إنتاجاً مفقوداً. وكل شهر إضافي من الإغلاق يعرّض مجموعة جديدة من الدول المنتجة للخطر في نصفي الكرة الأرضية. وقد حذرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة بالفعل من أن شح الأسمدة سيؤدي إلى تراجع محصول النصف الثاني من عام 2026؛ أما محصول 2027 فأصبح الآن مهدداً فعلياً. وبالنسبة إلى الدول المعتمدة على الاستيراد والهشة أصلاً، تشير تقديرات خبراء — تحتاج إلى تحقق مستقل لكنها تتقاطع بصورة مثيرة للقلق — إلى ظروف مجاعة قد تطاول عشرات الملايين.
أما النقطة الأساسية التي يغفلها الخطاب الغربي باستمرار فهي أن إعادة فتح المضيق لا تمحو آثار إغلاقه. فالآبار التي أُغلقت مؤقتاً عند امتلاء مرافق التخزين قد تتعرض لأضرار في المكامن لا يتضح مداها إلا عند استئناف الإنتاج. كما أن إعادة تشغيل أنظمة الغاز المضغوط تنطوي على مخاطر. وتحتاج المخزونات والأساطيل ومعدلات تشغيل المصافي والدورات الزراعية إلى فترات تتراوح بين بضعة أشهر وخمس سنوات كي تتعافى. وتستمر كلفة الضرر في التراكم كل يوم يظل فيه الممر المائي مغلقاً فعلياً. ومن ثم ينبغي قياس العودة الحقيقية إلى الوضع الطبيعي بمؤشرات مادية — انتظام حركة السفن، وتوافر تأمين مخاطر الحرب، ووصول الأسمدة بما ينسجم مع مواسم الزراعة — لا بالتصريحات.
الجبهة الثانية: باب المندب واحتمال الصدمة النظامية
سقط الوهم القائل إننا لا نزال أمام أزمة مضيق واحد مع هجوم سبتمبر على الساحل الغربي لليمن. فالسيطرة على المخا، والتقدم نحو ذباب، والاستيلاء على جزيرة ميون (بريم) التي تتحكم بأضيق نقطة في باب المندب، تهدد بخلق وضع غير مسبوق في العصر الحديث: الإغلاق المتزامن للمخرجين البحريين لمنظومة الطاقة الخليجية.
يمر عبر باب المندب نحو اثني عشر في المئة من التجارة العالمية، وهو يشكل المرساة الغربية لطريق السويس نحو آسيا. وإغلاقه بالتزامن مع حصار هرمز سيقطع الشريان البحري الرئيسي لأوروبا في اللحظة التي يحتاج فيها النظام الملاحي العالمي إلى بدائل أكثر من أي وقت مضى. كما أن خطة الطوارئ السعودية — خط أنابيب الشرق–الغرب إلى ينبع — تعرضت هي الأخرى للاستهداف، فيما تجد الرياض نفسها عالقة بين الاختناق الاقتصادي وخيارات تصعيدية، مثل تفعيل اتفاقات الدفاع مع باكستان وتركيا، لا تملك السيطرة الكاملة عليها.
أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها، فينبغي قول الدلالة الاستراتيجية بلا مواربة: لا توجد استجابة عسكرية لإغلاق مضيقين في وقت واحد لا تقود إلى حرب إقليمية شاملة. وقد قدم الحوثيون حملتهم في البحر الأحمر صراحة بوصفها مرتبطة عملياتياً بطهران؛ وأي تسوية لملف هرمز تترك باب المندب بلا حل ستظل رهينة له. الجبهتان ملف تفاوضي واحد — وإلا فلن تكون هناك مفاوضات أصلاً.

















































