يَحسبُ بعضُ الذين يُلقون على أنفسهم لَقَب ” ناقد اجتماعي “، بإشغالهم الإذاعات والتلفزيونات ببرامجَ نَقديّة، أنّهم المراجع الصّالحة لضَبط النّاس توطئةً لإصلاح الجَماعة. لن أتطرّق الى حقيقة هؤلاء، أو أكثرِهم، في اشتباكهم مع الواقع بطريقة مُعوَجَّة، فهم يبتعدون عن آليّة النّقد المُجدي، في تزييفِهم الوعي الجَمعيّ، ويُطبِّعون، بذلك، فشلَهم بالتّورية. لكنّني سأتَّبع منجهيّة التّوصيف العِلمي لمفهوم النّقد الاجتماعي كأداةِ توعية، وثورة فكريّة بيضاء مُلتَزِمة بالأخلاق تجاه ما ترمي إليه من أهداف.
إنّ النّقد الاجتماعي هو حركةٌ واعية تنقلُ مشهديّةَ المجتمع، بكلِّ تفاصيلِه، بواقعيّةٍ تتقاطعُ مع قدرةِ النّاقد الانطباعيّة، بمعنى أنّ النّاقدَ يُحسُّ، ثمّ ينقلُ بالتَّعبيرِ ما انطبعَ في إحساسِه، بمصداقيّةٍ مُطلَقة، وبدون تَوَغُّلٍ في التّنميقِ أو الخيال. فالمجتمع هو المادةُ الخامُ عندَ النّاقد، يقاربُهُ برصانة، وأحيانًا، بكلمةٍ لَذّاعة تفتحُ خزائنَ الحقيقة، وإِنْ موجِعَة.
إنّ ميزةَ النّقد الأساسيّة هي ألّا يُسَفِّه، أو يهجو، بالرّغم من أنّ ما يقولُه، في بعض المرّات، هو أَوجَعُ من الهَجو، وإِنْ كان أَلطَفَ صُنعًا، وأَرَقَّ نَسجًا. من الطبيعي أنّ النّقدَ يعايشُ معضلاتٍ، ومشكلاتٍ، هو ليس غريبًا عنها، في مجتمعٍ قبَّحَت وجهَه الشّرور، وساقَته الى المقدورِ قَهرًا. فالخُبثُ دِينُ أكثرِ النّاس، بالرَّغمِ من عَوَزِهم وفَقرِهم، والخِزيُ سلوكُ أولياء الشّأن فالفسادُ مَرْقَتُهم المُستطابة… وكأنّ المجتمعَ افترشَته إبليسةٌ، ووزَّعَت فيه نسلَها حَبلَ أبالسةٍ وشياطين شلّوا الخَيرَ، واغتالوا القِيَم، وتركوا النّاسَ في غربةٍ عن الأملِ.
ينبغي على حَلَقات النّقد أن تكون مقاماتٍ في زمنٍ مُرّ، تنسجُ الواقعةَ، وتُرفقُها بحكمةٍ هي علاجٌ لمجتمعٍ جائعٍ ضالَّتُهُ رغيف. وينبغي أن تنضحَ من هذه المقاماتِ أَماراتُ الرويّةِ، والفِكر، يَحملُها النّقدُ الأديبُ الى سُفرةِ النّاس، لا ليفتنَ العيون، بل ليمتّعَ العقل، والقلبَ، وليلفتَ، بجرأةٍ، الى معاناةِ المجتمعِ القاسية، من البَغضاءِ، والشّرورِ، والانتهاكاتِ السّافرةِ للأخلاقِ والقوانين، فأكثرُ النّاس وحُكّامِهم خلعوا ملابسَ التَخَلُّقِ لتَبدوَ الذِّئابُ أكثرَ رحمةً. وهكذا، وفي واقعٍ عَجِفٍ، يُؤثر النّقدُ المواجهة، فلا يخزِنُ لسانَه، ولا يتحفّظ على العُيوب، مُقتَنِعًا بأنّ المبادرةَ واجبةٌ قبلَ الغصَّة.
إنّ النّقدَ يعاينُ أُناسًا أنساهم بلاءُ الدّنيا بلاءَ الآخرة، فلا يهتزّون ولَو وقعَ يتيمٌ بين أنيابِ الضِّباع. ومع ذلك، لم يُصَبِ النّقدُ بخيبةِ أملٍ من الطبيعةِ البشريّة، ومن علائقِ النّاس، فاليأسُ لم يتسرَّب الى برنامجه، بالرَّغمِ من الآفاتِ المريرةِ التي يغصُّ بها المجتمعُ، والتي لم تُخلَقْ عَفوًا، بقَدر ما نشَّأَها النّاسُ فتطوّرَت على مدى الأيام، وتَخاوى سلوكُها مع جُبلتِهم.
ليس صحيحًا ما نُعِتَ به النّقدُ الاجتماعي، بأنّه أفلاطونيُّ في مقاربة قضايا الجماعة، وبأنّ محاكاتَها، معه، ضَربٌ من العَبَث، لِبُعدِها عن الحقيقة، ولتوغُّلِها في المثالية. كلّا، فقد كانت معاطاتُه انعكاسًا صادقًا وأمينًا للحياة، لا تَحريفًا لها، ولا استدارةً عمّا فيها، خصوصًا إذا كان الذي فيها فاسدًا، ومُلتَويًا، وزُورًا، وقَهرًا، وأنانيةً، وتَفَوّقًا للمصلحة الشخصية، وانحطاطًا أخلاقيًا، وتقاعُسًا عن واجبات، واستغلالًا لحقِّ الناس، ودهاءً مُبَطَّنًا بابتسامةٍ صفراء، وتراجيديا مجتمع اغتالته سكاكينُ الشرّ…
إنّ النّقد السّليم والهادفَ يواجهُ الذين نكبوا المجتمع وناسَه، بجرأةٍ لم تتركِ الكلامَ يَيبَسُ فوقَ شِفاهِه، بل يصدرُ بعفويّةٍ، إيمانًا بأنّ الكلمةَ هي الفِعلُ المحرِّرُ من العِلَل، وهي تمتلكُ القدرةَ على كتابةِ فصلٍ مُنيرٍ في زمنِ البشر. إنّ النّقدَ يؤمنُ بأنّ الكلمةَ المسؤولةَ، وحدَها، وفي الأيامِ الموبوءة، ترتدي هالةً وِقاريّة، وتؤدّي دَورًا احترافيًّا في تكوينِ رأيٍ عامٍ حرٍّ، واعٍ، ومُواجِه. من هنا، يمارسُ النّقدُ مهمّةَ الإضاءةِ على أمورٍ مُعاشَةٍ، وذات مردودٍ خطير، تفسيرًا، وتعليقًا، وتحليلًا، ونقدًا مُبَرَّرًا، وإرشادًا… تحفيزًا لاتّخاذ موقف، وتَبَنِيًّا لوجهةِ نظرٍ ذات مصداقيّة، كلُّ ذلك ضمنَ معاييرِ الواقعيّة، والعقلانيّة، والمنطق، فالنّقدُ ليس بَصّارًا، بقَدرِ ما يصدرُ عن ذكاء، وفطنةٍ، من هنا، يواجهُ النّقدُ زمنَه بمقارباتٍ لا تسقطُ بمرورِ الزّمن.






























































