تسببت حرب إيران في تعطيل شبه كامل لمضيق هرمز، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط بنسبة تزيد على 40%. توقعات البنوك والمؤسسات البحثية تشير إلى أسعار خام برنت بين 70 و164 دولاراً للبرميل خلال 2026، حسب مدة الاضطراب. استمرار الحرب يهدد بتغذية التضخم وتقويض النمو العالمي، مع تأثير طويل الأمد على سوق الطاقة.
*ملخص بالذكاء الاصطناعي. تحقق من السياق في النص الأصلي.
لم تعد سوق النفط تتعامل مع حرب إيران بوصفها مجرد مصدر توتر جيوسياسي، بل كصدمة إمدادات مكتملة الأركان.
فمع دخول الحرب أسبوعها الثالث، واستمرار التعطيل شبه الكامل لمضيق هرمز، واصلت كبرى البنوك والمؤسسات البحثية رفع تقديراتها للأسعار بوتيرة تعكس تحولاً أعمق في المزاج السائد داخل السوق: الخوف لم يعد يدور حول ما إذا كانت الإمدادات ستتضرر، بل حول حجم الضرر، ومدته، ومن سيتحمل كلفته في النهاية.
وتأتي هذه التوقعات بعد قفزة تجاوزت 40% في أسعار الخام منذ بداية التصعيد، وسط مخاوف من استمرار الاضطرابات في أحد أهم ممرات الطاقة الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً. وبالنسبة إلى المتعاملين، فإن هذا الرقم ليس مجرد حقيقة جغرافية معروفة، بل متغيراً يومياً في تسعير العقود والرهانات وإدارة المخاطر.
تسببت الهجمات المتقطعة التي تشنها إيران على السفن، إلى جانب التهديد بالألغام البحرية، في تقليص حركة الملاحة في الممر الملاحي إلى مستويات محدودة للغاية.
سيتي: قفزات قصيرة الأجل إلى 120 دولاراً
رفع بنك “سيتي غروب” توقعاته قصيرة الأجل لأسعار النفط، مرجحاً أن يتراوح سعر خام برنت بين 110 و120 دولاراً للبرميل في المدى القريب جداً، في ظل استمرار الحرب الأوسط وتعطل تدفقات الإمدادات عبر مضيق هرمز.
ويستند هذا التقدير إلى افتراض تهدئة الصراع بحلول منتصف إلى أواخر أبريل. يمثل ذلك مراجعة بالزيادة، إذ كان البنك قد توقع في 11 مارس أن تتحرك الأسعار في نطاق بين 80 إلى 100 دولار للبرميل على مدى أسبوع إلى أسبوعين.
وأوضح محللو البنك، ومن بينهم ماكس لايتون، أن تدفقات النفط قد تشهد تعطلاً بما يتراوح بين 11 و16 مليون برميل يومياً على مدى الأسابيع الأربعة إلى الستة القادمة، مقارنة بنحو 20 مليون برميل يومياً من الصادرات المعرضة للخطر عبر المضيق. كما توقعوا أن يصل سعر خام غرب تكساس الوسيط إلى نحو 104 دولارات للبرميل خلال ثلاثة أشهر، بحسب “بلومبرغ”.
والأهم من الأرقام نفسها هو منطقها: السوق، من وجهة نظر البنك “من المرجح أن تواصل السوق الارتفاع إلى أن تبلغ مستوى سعرياً أو يحدث تطور في السوق يدفع الولايات المتحدة إلى إنهاء عملياتها العسكرية، أو أن تتحرك وكالة الطاقة الدولية أو دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للإفراج عن كميات أكبر من المخزونات، أو أن تتدخل قوى عسكرية عالمية لفتح مضيق هرمز بالقوة، أو أن تمارس الصين ضغوطاً على إيران للتوصل إلى اتفاق”.
لكن “سيتي” لا يرى الأزمة خطاً مستقيماً صاعداً إلى ما لا نهاية. فعلى الرغم من التقديرات المرتفعة في المدى القريب، لا يزال البنك يرجح أن تنخفض الأسعار لاحقاً إلى نطاق بين 70 و80 دولاراً للبرميل بحلول نهاية العام، ما يعني أن الرهان الأساسي لا يزال قائماً على أن هذه الصدمة، رغم عنفها، لن تتحول بالضرورة إلى نظام دائم جديد في السوق.
حرب إيران مسؤولة عن ثلث سعر النفط
في المقابل، تذهب “بلومبرغ إيكونوميكس” إلى توصيف أكثر حدة من حيث أثر مدة الإغلاق. فبحسب تقديراتها، فإن إغلاق مضيق هرمز لشهر واحد قد يدفع سعر النفط إلى نحو 105 دولارات للبرميل. أما إذا امتد الإغلاق إلى ثلاثة أشهر، فقد يقفز السعر إلى 164 دولاراً.
هذا الفارق الكبير بين الرقمين ليس مجرد اختلاف في التوقع، بل هو لبّ القصة كلها. فالسؤال الآن ليس فقط أين يمكن أن تصل الأسعار، بل كم من الوقت تستطيع السوق احتمال اختلال بهذا الحجم قبل أن يتحول من أزمة سلع إلى أزمة اقتصاد كلي. وتشير تقديرات “بلومبرغ إيكونوميكس” إلى أن حرب إيران مسؤولة بالفعل عن نحو ثلث السعر الحالي للنفط، مع تشكل معظم هذه الزيادة بعد امتداد العمليات العسكرية إلى البنية التحتية وتعثر مسارات الشحن. وكلما طال أمد الاضطراب، ارتفعت احتمالات تغذية التضخم وتقويض النمو العالمي في آن واحد.
«بنك أوف أميركا»: مساران متباينان للأسعار
“بنك أوف أميركا” يقرأ المشهد من زاوية مختلفة قليلاً. فالبنك رفع توقعاته لسعر خام برنت لعام 2026 إلى 77.5 دولار للبرميل، مقارنة بـ61 دولاراً سابقاً، مشيراً إلى أن التعطل الفعلي في الملاحة عبر هرمز حجب بالفعل ما يقرب من 200 مليون برميل من السوق، وساهم في سحب المخزونات بوتيرة أسرع من المتوقع.
ويرى البنك سيناريوهين رئيسيين متساويين في الاحتمال: الأول يتمثل في حل سريع للأزمة يعيد تدفقات النفط بحلول أبريل ويخفض الأسعار إلى نحو 70 دولاراً، والثاني يتضمن استمرار الاضطراب حتى الربع الثاني، ما قد يدفع الأسعار نحو 85 دولاراً، وفق “رويترز”.
وفي سيناريو أكثر تطرفاً، يقدّر البنك أن استمرار الحرب حتى النصف الثاني من العام قد يؤدي إلى دفع أسعار خام برنت إلى مستويات شديدة الارتفاع تصل إلى نحو 130 دولاراً للبرميل، رغم أن محللي البنك يرون أن هذا السيناريو يبقى مستبعداً. ويرجّح البنك أنه مع انتهاء الحرب، ستعود سوق النفط إلى تسجيل فائض في المعروض، ما قد يضغط على الأسعار لتتراجع إلى نحو 65 دولاراً بحلول عام 2027.
ستاندرد تشارترد: اضطراب ممتد وارتفاعات إضافية
الأمر نفسه يظهر في تقديرات “ستاندرد تشارترد”، الذي رفع توقعاته لمتوسط سعر برنت لعام 2026 إلى 85.5 دولار للبرميل، مقارنة بـ70 دولاراً سابقاً، مشيراً إلى أنه “على الرغم من التصريحات المتفائلة الصادرة عن الولايات المتحدة بشأن المدة المحتملة للصراع، لا يبدو أن هناك أي مخارج واضحة في الوقت الراهن”.
كما رفع البنك توقعاته الفصلية للخام، متوقعاً أن يبلغ سعر برنت في الربع الأول 78 دولاراً للبرميل من 74 دولاراً في السابق، قبل أن يرتفع في النصف الثاني أكثر إلى 98 دولاراً.
ما يدعم هذه الرؤية، بحسب البنك، ليس فقط استمرار الحرب، بل الضرر الممتد الذي يلحق بالبنية التشغيلية لسوق الطاقة. فحتى لو توقفت العمليات العسكرية أو أُعلن وقف إطلاق نار، فإن أثر التعطل في الملاحة، وكلفة التأمين، والاختناقات اللوجستية، وإعادة توزيع التدفقات التجارية، كلها عوامل لا تزول بقرار سياسي سريع.
وهذه النقطة تحديداً هي التي تجعل الأزمة الحالية مختلفة عن كثير من النوبات الجيوسياسية السابقة في سوق النفط. ففي المعتاد، كانت الأسعار ترتفع على وقع الخوف من انقطاع الإمدادات، ثم تتراجع عندما يتضح أن التدفقات الفعلية لم تتضرر كثيراً. أما الآن، فالسوق تتعامل مع تعطّل محسوس في الشحن والإنتاج، لا مع تهديد نظري فقط.
في الخلفية، تزيد الضبابية السياسية الصورة تعقيداً. فالتصريحات الأميركية بشأن أفق الحرب لا تزال متباينة، بين حديث عن قرب إنهاء العمليات، وإشارات إلى أن الانسحاب ليس وشيكاً تماماً. هذه الرسائل المختلطة لا تمنح السوق اليقين الذي تحتاجه لتسعير نهاية الأزمة، بل على العكس، تدفعها إلى الإبقاء على علاوة مخاطر مرتفعة.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال إن الولايات المتحدة ستكون قريباً مستعدة لإنهاء الحرب. وأضاف خلال حديثه في البيت الأبيض يوم الثلاثاء: “إذا غادرنا الآن، فسيستغرق الأمر منهم 10 سنوات لإعادة البناء. لكننا لسنا مستعدين للمغادرة بعد. إلا أننا سنغادر في المستقبل القريب”.
في الوقت ذاته، قال كيفن هاسيت، المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض، في مقابلة مع تلفزيون “سي إن بي سي” الثلاثاء إن السيناريو الأساسي لفترة الحرب في إيران يتراوح بين 4 و6 أسابيع، مشيراً إلى أن التطورات الحالية متقدمة على هذا الجدول الزمني، مع توقعه انتهاء الحرب في الأمد القريب.
وقدّر البنك أن ما بين 7.4 و8.2 مليون برميل يومياً من الإمدادات متوقفة حالياً في عدد من الدول المنتجة والتي من بينها العراق والسعودية والإمارات وقطر والكويت، إلى جانب تراجع الإنتاج الإيراني بنحو مليون برميل يومياً. وحذر من أنه حتى مع وقف العمليات ضمن الصراع أو الإعلان عن وقف لإطلاق النار، فسيكون هناك أثر طويل الأمد لاضطراب سوق الطاقة.
































































