بقلم : الدكتور جورج شبلي
قال زَرَدَشت : ” لن أعودَ إليكم إلاّ متى أنكرتُموني كلُّكم” .
جبران خليل جبران، القطرةُ في غمامةِ الكَون، يعودُ الى محيطِه على أيدي بحّارةٍ أنبياءَ أتَوا قبلَه في الزّمان، هم تلاشَوا كما يطيرُ الحبُّ من الذّاكرة، وهو تكرَّسَ ” نبيًّا ” في دَورةِ الجدولِ الأبديّةِ ليتّحدَ مع همسِ القلبِ الذي لا يُحَدّ .
عندما تأهّبَ جبرانُ الى الكتابة، بريشةٍ مُدَلَّلَة، لا يمكنُ أن يأتيَ نتاجُه كالأباريقِ المزخرفةِولكنْ من دونِ ماء. فأدبُه مَزَجَ الإيحاءاتِ في نماذجَ أنيقةٍ يعالجُها قلمٌ مُعافىً، لذلك، هي تمتدُّالى منفسحٍ إنسانيٍّ شموليّ، فإنسانُ جبران بِحَدِّ ذاتِه عالَم. هذا المتحرّرُ من نزوةِ الكبرياء،يَطبعُ مقاطعَه بِتَوقٍ عنيفٍ صوبَ البُعدِ الإنسانيِّ الكونيِّ والفلسفةِ المصيريّة، لكنَّ الفلسفةَبِعَصفِها لم تتبرّأْ من جراحٍ مُلتصقةٍ بنفسِه، فقد وعى إبداعُ جبران على أنينِها .
هذا الرسّامُ الفاجر، الذي رمّمَ الفجوةَ بين ذاتِه وأصابعِه، جاءت رُقَعُه انعكاسًا لظلالِ الدّاخلِ فيه، مشاهدَ مغمّسةً بالحبرِ الأحمر. هي قماشةٌ غيرُ مخدَّرةِ الحواس، ترسمُ أسئلةً حولَ الحياةِ والغاية،لكنّها إذا سُئِلَت ضاعَ منها الكلام. ومع ذلك، يفوحُ منها صوتُ النّايِ المتفلّتُ من رابطِ الزّمانِ والمطارح، فيوقظُ فينا تصفيقًا للدهشة.
لدى جبران العدّةُ الأساسيّةُ لموهبةٍ أصيلة، موجودةٍ في أبعادِ مسافاتِه، فكأنّها موضوعُملحمة، أو استفهامٌ عن الخيرِ والحقّ. وهل ثورتُه سوى غبطةٍ جريئةٍ على غيرِ هَدأة،سَنَّها للتضحيةِ بالنَّظمِ، وبما هو وَقْفٌ في الدِّينِ والمجتمعِ وأدبِ النّاس ؟ لم يعتنقْ جبران الثّورةَليعظَ، بل ليدمّر، وهو حقُّ التّائقِ الى هدمِ الجدارِ بينَ عالمِ إطباقِ الماكرِ القويِّ على الضّعيف، وبينَ عالمِ المحبّةِ والحريّة. وهو متّهَمٌ هنا بالطّوباويّةِ المثاليّة، أو هو صاحبُ شراعٍ ممزَّقٍ في بِركةِ الحياةِ المتموّجة، وكأنّه لم يعاينِ استحالةَ انتقالِ واقعٍ غارقٍ في مَعميّاتِ المظالمِ والتّقاليد، الى الفردوسِ المفقودِ الذي يحلمُ به. لكنّ ثورةَ جبران لم تستفقْ لتُجهَض،لأنّه أنضجَها بالحكمةِ الهادئةِ غيرِ المستسلمة، ودعا النّاسَ الى مشاركتِه هذا التحدّي .
عندما تحرّكَ الجنينُ في بطنِ أمِّه، أحسَّتِ العبقريّةُ بأنّ قوّةً خرجَت منها. ذلك أنّ جبران،عندما شدَّ الرّحيلَ الى الكتابة، أفلتَ من أقفاصِ العاديّةِ الشّرسة، ولفظَ سائلَ التقليدِ العنكبوتيِّ الذي يتغذّى منه نتاجُ معاصريه، هؤلاءِ الذين لسعَتهم أفعى الحقدِ إذْ لم يعودوا سادةَ الريشة. فاتّهموا أدبَه بأنّه إناءٌ ممتلئٌ بالوهمِ والغيبيّةِ والأخيلة، وبأنّه استغلَّ حالَ الظّلمِ السّائدِ والجهل، ليُنبِتَ على أنقاضِ النفوسِ المقهورةِ جناحًا له للشّهرة. وكأنّهم لم يعرفوا أنَّ شهرةَ جبران لم تكنْ يومًا، وهي حتى السّاعة، ترعى الغبارَ بل هي جزءٌ من قيمةِ الخيرِ الأدبي .
جبران ، أيّها المكفّنُ بالمجد، والمنتصرُ في ردمِ حفرةِ القبرِ على حَفّارِه، إنّ محصولَ الطّوافِ في أدبِك يَثِبُ بنا الى لوحةِ الشّرق، هذا الذي لم يعدْ يتوقُ، بَعدَك، الى شهرةٍ بِوسعِالأساطير .


























































