تتسبب الحرب بين إيران وخصومها في زيادة الضغوط على اقتصادات مصر، الأردن، سوريا، العراق ولبنان بسبب اضطراب الملاحة وارتفاع أسعار النفط والسلع. مصر تواجه تضخمًا وصل إلى 13.4% في فبراير 2025، والأردن يعتمد على الاستيراد بنسبة 95% من القمح، وسوريا تعاني تراجع الإنتاج الزراعي، والعراق يواجه أزمة مياه، ولبنان يعاني هشاشة اقتصادية وأمن غذائي.
تتسع تداعيات الحرب بين إيران وخصومها في المنطقة لتتجاوز ساحات القتال وتصل إلى موائد الطعام وفواتير الطاقة في مصر وبلاد الشام، إذ يهدد اضطراب الملاحة في الخليج وارتفاع أسعار النفط والسلع الأساسية بزيادة الضغوط على الاقتصادات التي تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد. ومع توقعات بأن تتسبب الحرب في موجات غلاء جديدة بهذه الدول، نلقي الضوء في السطور المقبلة على المخزونات والسياسات الحكومية المتبعة فيها، لمعرفة ما إذا كانت كفيلة بامتصاص صدمة الحرب.
مصر تحت ضغط الأسعار العالمية
يأتي التصعيد العسكري في المنطقة في وقت بدأ فيه الاقتصاد المصري يظهر مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد سنوات من الضغوط. غير أن ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد المخاطر في طرق التجارة العالمية أعادا المخاوف بشأن التضخم وسعر الصرف وكلفة الواردات في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الأسواق الخارجية لتأمين احتياجاته الغذائية.
الأردن: أمن غذائي قائم على الاستيراد والمخزون الاستراتيجي
من مصر إلى الأردن، الذي يقدم نموذجاً لاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتأمين احتياجاته الغذائية، إذ يغطي الإنتاج المحلي جزءاً محدوداً من الطلب، بينما تعتمد المملكة منذ سنوات على المخزون الاستراتيجي للحبوب كوسادة أمان لمواجهة تقلبات الأسواق العالمية.
تظهر البيانات حجم هذا الاعتماد. فالأردن ينتج ما بين 30 ألف و35 ألف طن من القمح سنوياً، وهي كمية لا تغطي سوى نحو 3% من الاستهلاك المحلي، ما يدفعه إلى استيراد نحو 95% من احتياجاته من هذه السلعة الأساسية.
ويلعب ميناء العقبة دوراً محورياً في هذه المعادلة، إذ تمر عبره معظم شحنات الحبوب قبل نقلها إلى صوامع التخزين داخل المملكة. ويجعل هذا الاعتماد على التجارة البحرية السوق الأردنية أكثر حساسية لأي اضطراب في الشحن أو ارتفاع في تكاليف النقل والتأمين.
سوريا: أزمة غذاء تبدأ من الحقول قبل الأسواق
إذا كانت مصر والأردن تواجهان أساساً ضغوط الأسعار وكلفة الاستيراد، فإن سوريا تواجه تحدياً أعمق، وهو: تراجع الإنتاج الزراعي نفسه.
فمنذ اندلاع الأزمة عام 2011 تراجع الإنتاج الزراعي بشكل حاد، بعدما كانت سوريا تنتج بين 3 و4 ملايين طن من القمح سنوياً، وهو مستوى اقترب في بعض المواسم من تحقيق الاكتفاء الذاتي. لكن سنوات الحرب والعقوبات والنزوح الواسع ألحقت أضراراً بالبنية التحتية الزراعية وقلّصت المساحات المزروعة.
وفي هذا السياق، قد ينعكس أي ارتفاع إضافي في أسعار الحبوب أو تكاليف الشحن بسرعة على قدرة الأسر على تأمين الغذاء، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً من النزاع والجفاف مثل الحسكة والرقة ودير الزور والسويداء.
العراق: قاعدة زراعية تحت ضغط المياه
يختلف العراق عن كثير من جيرانه في معادلة الأمن الغذائي، إذ يمتلك قاعدة زراعية أكبر نسبياً، خصوصاً في إنتاج القمح الذي يمثل العمود الفقري للغذاء في البلاد. وتمكنت بغداد في بعض السنوات من الاقتراب من تحقيق مستويات شبه اكتفاء ذاتي من هذه السلعة.
كما عززت الحكومة احتياطياتها من الحبوب، إذ يبلغ مخزون القمح نحو 3.7 مليون طن يكفي لتغطية الاستهلاك المحلي حتى نهاية عام 2026.
لكن هذه المعادلة تواجه ضغوطاً متزايدة بسبب أزمة المياه، وهي مشكلة تفاقمت مع اندلاع الحرب الحالية. وتراجعت تدفقات نهري دجلة والفرات خلال السنوات الماضية نتيجة الجفاف والسدود الإقليمية، ما أدى إلى تقليص المساحات المزروعة وتهديد إنتاج الحبوب.
لبنان: سوق غذاء هش في اقتصاد مأزوم
يختلف لبنان عن بقية الدول المذكورة في وجود ضربات عسكرية داخل البلاد نفسها، حيث امتد التصعيد الإقليمي الذي بدأ بعد الهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير إلى الجبهة اللبنانية، في وقت يعاني فيه الاقتصاد أساساً من هشاشة عميقة.
ويعد لبنان من أكثر اقتصادات المنطقة حساسية لأي تغير في أسعار الغذاء العالمية، إذ يستورد ما بين 80% و85% من غذائه من الخارج.
تزداد هذه الحساسية في ظل الأزمة الاقتصادية والمالية المستمرة، التي أدت إلى انهيار قيمة الليرة وارتفاع التضخم إلى مستويات قياسية. فقد ارتفعت أسعار الغذاء عدة أضعاف نتيجة تراجع العملة وارتفاع تكاليف الاستيراد.
وتفاقمت هشاشة منظومة الأمن الغذائي بعد انفجار مرفأ بيروت، الذي دمّر صوامع القمح الرئيسية في المرفأ. وكانت هذه الصوامع قادرة على تخزين نحو 120 ألف طن من الحبوب وتمثل نحو 85% من القدرة التخزينية للقمح في البلاد، ما قلّص قدرة لبنان على الاحتفاظ بمخزون استراتيجي طويل الأجل.
وتشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن لبنان يستورد بين 600 ألف و700 ألف طن من القمح سنوياً، تأتي معظمها من أوكرانيا وروسيا ورومانيا.
مخاوف من استمرار الحرب لفترة أطول
يرى الزعبي أن “استمرار الحرب قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع في المنطقة، ولكن بشكل متفاوت طبقاً لعلاقة البلد إن كانت مباشرة أو غير مباشرة”.
ويضيف أن ارتفاع أسعار الطاقة يبقى العامل الأول في هذه الدول، لأنه يرفع تكلفة الإنتاج والنقل لمعظم السلع بما فيها الغذاء. ما يهدد بنشوب موجات غلاء ثقيلة فيها مع كل يوم جديد تستمر فيه الحرب.
































































