فلتسقط الكلمات! إذ ليس فيها ما يعبّر عن كمية الغضب ممّا حدث، أمس، على امتداد الساحة اللبنانية، في العاصمة والمناطق، من مجزرة تتجاوز فظاعةً ووحشيةً أكثر الكوابيس شناعةً. لن ننضم الى قافلة طارحي الأسئلة الوجيهة، وأبرزها الآتي: لماذا يدفع اللبنانيون هذا الثمن الباهظ؟ وهو سؤال حق وواجب! إنما نريد أن نكتفي بالسؤال الآتي: لماذا علينا أن نكون ضحية لعبة الأمم، ومصالح الآخرين على أرضنا؟
لا يهمنا أن تعلن إيران أنها انتصرت في هذه الحرب، ولا أن يكذّبها دونالد ترامب ويعلن استئثاره بالنصر. فقط يهمنا ويعنينا جداً إن نتساءل عمّا ينتظرنا بعد هذه الوحشية غير المسبوقة التي يمارسها بنيامين نتنياهو علينا، وعمّا بعد هذه المجزرة، وعن المصير، وما إذا كان شلال دماء الشهداء سيتوقف تدفُّقاً، في وقتٍ يتبارى وحوش هذا الزمن في من حقق النصر.
إن لبنان لم يكن يتيماً كما هو اليوم، ولم يكن وحيداً في مواجهة مصيره كما هو اليوم، ولم يكن متعذراً عليه إيجاد مَن يسانده في محنته وهو الذي خاض فريق منه حروب مساندة كبيرة الكلفة.
لبنان، في هذه المحنة المهولة، لن يجد (من كبير أسف) مخدةً يسند إليها رأسه، ولا ضمادةً لجراحه الثخينة… ولا حتى مَن يستمع الى أنينه ونداء استغاثته.
لبنان، اليوم، يتيم على مائدة اللئام، والأكثر صحةً ودقةً إنه يتيم على طاولة مفاوضات اللئام: هو الذي ساند غزة لن يسانده الفلسطيني. وهو الذي ساند إيران حتى أعلى التضحيات أخبرته طهران أنها تلوح بإعادة القفل الى بوابة مضيق هرمز وأنها ستنسحب من الاتفاق إذا استمر نتنياهو يمعن فيه قتلاً وتدميراً وتهجيراً ومجازرَ وإباداتٍ… وترامب سارع الى مساندته بإعلانه إن «إقناع نتنياهو بأن اتفاق وقف القتال يشمل لبنان سيستغرق مزيداً من الوقت»!. والمؤلم أن عليك أن تصدق هذا الهراء كله.
وبعد، إن الدماء الطاهرة التي تنزف من الشهداء الميامين تستصرخُ عدالةً. وإن لبنان المهشّم (… والمهمّش في المفاوضات) يستصرخ قياداتٍ تاريخيةً تبتكر نهجاً وتعيد إليه بارقةَ أملٍ باحتمال الرجوع الى الحياة.
وأمّا الأجيال القادمة فتستصرخ وطناً فيه الحد الأدنى من مقوّمات الحياة ولكنها لن تجد فيه، ونقولها بألم كبير، سوى الأرض المحتلة والبؤس الشقاء والدماء والدموع. ورجاءً، رجاء، رجاء أوقفوا معزوفة الانتصار! والله العظيم شبعنا هكذا انتصارات حتى التخمة.
خليل الخوري




























































