إنّ سرَّ البيان يعود الى الصّدق، فلا قيمة لبلاغةٍتَميلُ عنه، لأنّ في الصّدق، وحدَه، أَجيجَ العبقريّة والنّبوغ. لذلك، سقطَت آثارُ المتكلِّفين من الكُتّاب والأدباء والشّعراء الذين سخّروا أقلامهم، وباعوا قناعاتهم، وارتضَوا التخلّي عن كرامتهم، بعيدًا عن أيّ مبدأ أو قيمة، بهدفِ الكَسبِ والارتزاق. أمّا إذا صدقَ القلبُ والعقل والحسّ، فعند ذلك يصبح الكلامُ أدبًا زلالًا، وجذوةً تُلهبُ ما تمسُّ من أوتار المشاعر والعواطف، تُلهِمُ أجيالًا متعاقِبة على مَرّ الزمن. وهكذا، يعبرُ الأدبُ الى الخلود، ويظلُّ حيًّا في الذّاكرة الانسانيّة، يتحدّى الفناء والاضمحلال، ويبقى ما بقيَ النّاس.
لسنا نحصرُ ظروفَ الحياة بما فيها من نور، وخير، ومحبّة، لكنّ العمرَ يسير بنا، أيضًا، في أودية الغرائز، فنعاين الشرّ، والضلال، ونار الأزمات، واللّؤم، والقَهر، والطّغيان… لهذا، لا يمكنُ أن نحصرَ صدقَ الكاتب بانشغاله بعوامل الخير وحدَه، فلا يتغنّى إلّا به، ولا يتحدّثُ إلّا عنه، لأنّ الصّدق يعني الإحاطةَ الحقيقية بكلّ ما يجري، ينقلُ كالمرايا بلا زخارف، يتغنّى بالخير والجَمال والحقّ، عندما يُؤخَذُ بها، ويوصّف الشرّ وتداعياته بلا تَصَنّعٍ ورياء، إذا حَدَث.
إنّ السرَّ في الصّدق يكمنُ في فَتح ما أُغلِقَ من خبايا في النّفوس، وفي ضمائر القلوب، وعلى عكس ذلك، فإنّ النِّفاق الذي يُبنى على الزّخرف والصّنعة والإسفاف، هو مظهرٌ من مظاهر الإخفاق، والضّعف، فلا يُروى له قَول، ولا يوزَنُ له رأيٌ، ولا يُرجى لِبَهرَجِه بقاء. إنّ النّفاق قناعٌ يُجامِلُ بِزَيَف، ويقيّدُ صاحبَه بضغوطٍ ثقيلة، وحين يُزالُ الغُبار عنه، يبدو القبح شاهدًا على سقوطِه. من هنا، فالصّدق مفتاح الحريّة، به، وحدَه، نعيشُ الحقيقة بلا قيود، ونتصادقُ مع الحريّة بلا خَوفٍ أو مجاملات، ونعيشُ سلامًا مع الذّات ومع العالَم.
إنّ الصّدقَ في القَول هو أن يستقيَ القائلُ، ناثِرًا أم شاعرًا، ما يردُ من موارد الحياة، ويقدّمُه لقرّائه صُوَرًا، ومشاهدَ، تنطقُ بالحقيقة، أيًّا كان وجهُها، بديعًا،أم شنيعًا، حسنًاأم خَشِنًا… فالنّفاق زينةٌ جوفاء، ذَميمُ المذهب، كأسُه مُرَّة، إِنْ نمَّقَته الأصابعُ فلا يُؤمَنُ جانبُه، وإنْ أَوهَمَ بالضّحكة فإنّه يتأبّطُ شرًَّا،في حين أنّ الصّدقَكالماءفيالينبوع،صَفاؤُهلاتُعكِّرهُعواصف،ولاتَخفيهالأعماق، فيجيء كلامه نَضِرًا بالخير، يؤثِّر في المجتمع تأثيرًا بليغًا.
إنّ الصّدق بريءٌ من عوارضِ اللُّبس،فهو يصدرُ عَمّن غرسَت فيه الحقيقةُ غروسَها، ليكون نموذجًا فاضلًا، وصاحب تراثٍ رياديّ، بما يتمتّع به من عقلٍ طليق، وإحساسٍ حَي، ووجدانٍ حُرّ. فالصّادِقُ له دَورٌ طليعيّ إلزاميّ في تَقَدّم المجتمعات، ملتزِمًا بقيود الرّزانة، والوقار، وبرقّة الحسّ ودقّة الذَّوق، والحسُّ والذَّوق يستحيلُ صَبغُهما. كذلك، يمثّلُ الصّدقُ فكرًا تنويريًّا، ينال من مِبضَعِ الرّياء ومن فساد الزّمان، وتَمتنِعُ عينُه عن الغَمضِ في مسألةِ الحقيقة، ويحمل لواءَ نُصرةِ الحقّ والعَدل والجَمال، وإذا كان الكَذِبُ مَشرَبَ المُلتَوين، فنَفسُ الصّادقِ تحتملُ الظّمَأ.
يُعَدُّ الصّدقُ قيمةً أخلاقيّة مركزيّة تُسهمُ في بناء شخصيّة الإنسان، لذلك لهدَورٌفاعلٌ في التربية، يرسِّخُ في الذّاتِ سلوكًا مستقيمًا يفرضُ الثّقةَ والاحترامَ، وينمّي مجموعةَ القِيَمِ التي تشكّلُ عامِلَ رقابةٍ يمنع الانحرافَ صوبَ الخَطَل، والفساد والطَّيش.من هنا، مالَ علماء نفس السّلوك الى اعتبار الصّدق فضيلةتدلُّ على الاستقامة والنّزاهة والوفاء، ونقاء الضّمير.























































