الدكتور حسام نصَّار – باحث لبناني
يتناول هذاالمقال فلسفة العلاج بالمعنىكما صاغها الطبيب النمساوي فيكتور فرانكل، وتبحث في إمكانيَّة دمجها مع تقاليد التَّحليل النَّفسي الَّتي أسَّسها سيغموند فرويد. انطلاقًا من فرضيَّة مفادها أنَّ الإنسان لا يُختَزَل في ديناميَّات الغرائز أو الصِّراعات اللَّاواعية فقط، بل يتجاوزها بوصفه كائنًا باحثًا عن المعنى. وتتساءل عمَّا إذا كان التَّكامُل بين البُعدين الفرانكلي والفرويدي، يفتح أُفقًا علاجيًّا أعمق يُعالِج الإنسان بوصفه ذاتًا وجوديَّةً حُرَّةًومسؤولة.
شهد العصف الذهني للأعماق النَّفسيَّة ومحمولاتها في القرن العشرين للميلاد تحوُّلات عميقة، حيث انتقل من اختزال الإنسان في بُنيته الغريزيَّة إلى مُقارَبات أكثر شمولًا تأخذ بعين الاعتبار أبعاده الوجوديَّة. وفي هذا السِّياق، برزت مُساهمة فيكتور فرانكل، الَّذي أسَّس لِمَا يُعرف بـ”العلاج بالمعنى”، بوصفه تيَّارًا يضع إرادة المعنى في قلبِ التَّجرُبة الإنسانيَّة، مُقابِل مبدأ اللَّذة عند سيغموند فرويد. هذا وترتَكِز الأُسس الفلسفيَّة للعلاج بالمعنى على ثلاثة مبادئ أساسيَّة وهي: حُرِّيَّة الإرادة، بمعنى أنَّ الإنسان ليس أسير حتميَّاته النَّفسيَّة أو البيولوجيَّة،بل يمتلك هامشًا من الحُرِّيَّة يُمكّنه من اتخاذ موقف تجاه معاناته. وثانيًّا إرادة المعنى، أيّ أنَّ الدَّافِع الأساس للإنسان ليس اللَّذة أو السُلطة فقط، بل البحث عن معنى لحياته. وثالثًا، بأنَّ الحياة تحمل معنًى في كلِّ الظروف، حتَّى في أقصى حالات المعاناة. تبلورت هذه الرُّؤية في سياقِ تجربة فرانكل في مُعسكَرات الاعتقال النَّازيَّة، الَّتي وثَّقها في كتابه الشَّهير “الإنسان يبحث عن معنى”، حيث رأى أنَّ مَن يمتلك سؤال “لماذا أعيش؟” يستطيع أن يتحمَّل الجواب على سؤال “كيف أعيش؟”
أمَّا على صعيد التَّحليل النَّفسي وحدوده التَّفسيريَّة، فقد قدَّم سيغموند فرويد أُنموذجًاثورويًّا لفهم النَّفس البشريَّة، قائمًا على كشف ديناميَّات اللَّاوعي والصَّراعات بين الهُو والأنا والأنا الأعلى. غير أنَّ هذا الأُنموذَج، رغم عُمقِه، يظلّ؛ في نظر فرانكل، اختزاليًّا حين يحصر الإنسان في ماضيه وفي دوافعه الغريزيَّة. فالتَّحليل النَّفسي يسعى إلى تفكيك الإنسان عبر كشف جُذور أعراض ماضية، بينما يسعى العلاج بالمعنى إلى تركيب الإنسان عبر توجيهه نحو غاية مُستقبليَّة ذات دلالة.
وعلى الرغم من التَّبايُن الظاهر بين المُقاربتين، إلَّا أنَّه يُمكِناقتراح تكامُل بين التَّحليل النَّفسي والعلاج بالمعنى. فمِن اللَّاوعي إلى المعنى، يُمكِن للتَّحليل النَّفسي أن يكشف البُنى العميقة للرَّغبات والدَّوافع، بينما يمنَح العلاج بالمعنى لهذه البُنى أُفقًا غائيًّا. ومن الحتميَّة إلى الحُرِّيَّة، فإذا كان فرويد يؤكِّد على الحتميَّات النَّفسية، فإنَّ فرانكل يفتح المجال أمام حُرِّيَّة الموقِف، ما يُتيح إعادة تأويل المُعاناة. ومن ماضيالطفولة والتَّجارب المُبكِرة الَّذي يُركِّزعليه التَّحليل النَّفسي،إلى المُستقبل الَّذي يسعى العلاج بالمعنى أن يوجِّه الإنسان نحوه. إنَّ هذا التَّكامُل يعني إعادة صياغة منهجيّ فرانكل وفرويد ضمن رؤية جدليَّة ترى الإنسان كائن يتأرجح بين الضرورة والحُرِّيَّة، بين اللَّاوعي والمعنى، بين الحتميَّة والاختيار، بين الإلزام والانعتاق، بين الوجوب والإرادة، وغيرها.
يبقى أن أُشير إلى أنَّ التطبيقات العلاجيَّة المُعاصِرة؛ في المُمارَسة الإكلينيكيَّة تحديدًا، تُظهِر تكامُل بين هاتين المدرستين في عدَّة مجالات، أبرزها علاج الاكتئاب الوجودي، بحيث لا يُكتَفى بتحليل الأسباب بل بوجوب استعادة المعنى الكامِن خلفها وأمامها. كما والتَّعامُل مع الصَّدمات، إذ يُسهم التَّحليل النَّفسي في تفكيكها، بينما يُساعِد العلاج بالمعنى في إعادة بنائها ضمن سرديَّة ذات معنى ومغزى. بالاضافة إلى استثمار الإرشاد النَّفسي، بحيث يُستخَدم البُعد المعنوي للتحفيزوتعزيز الصُّمود.
ختامًا، إنَّ الجمع بين التَّحليل النَّفسي والعلاج بالمعنى لا يُمثِّل مُجرَّد مُزاوَجة تقنيَّة، بل تحوُّلًا إبستمولوجيًّا في فهم الإنسان. فالإنسان ليس فقط ما يخفيه في لاوعيه، بل أيضًا ما يسعى إليه في أُفقِ معناه الوجودي. وبين التَّعريَّة الَّتي يُمارِسها التَّحليل النَّفسي، والتَّرميم الَّذي يقترحه العلاج بالمعنى، تتشكَّل صورة أكثر اكتمالًا للذَّات الإنسانيَّة.
ويبقى السؤال: إذا كان التَّحليل النَّفسي يكشف لنا عمَّا نحن عليه، والعلاج بالمعنى يدلّنا على ما ينبغي أن نكونه، فهل يُمكِن للإنسان أن يُحقِّق ذاته من دون أن يُعيد باستمرار تأويل ماضيه في ضوءِ معنًى لم يتحقَّق بعد؟
الكلمات المفتاحيَّة: العلاج بالمعنى، الاكتئاب الوجودي، إرادة المعنى.
المصادر والمراجع:
1- فكتور فرانكل، الإنسان يبحث عن المعنى، ترجمة، طلعت الشايب، القاهرة، دار الشروق، 2012م.
2- سغموند فرويد، محاضرات تمهيديَّة في التَّحليل النَّفسي، ترجمة، جورج طرابيشي، بيروت، دار الطليعة، 1982م.






























































